قال المحدث : وكان حوارهما هذا من حديثهما الصباحي ،
وكان صباح ( مكة ) صباحا قرشيا مترفا ، تحتشد فيه الأندية ،
ويطيب فيه الحديث ، وكان ياسر يتخلف عن نادي بني مخزوم
أحيانا ليجلس إلى ابنه يجاذبه كلاما هو أشبه بالدرس منه
بالعبث والمفاكهة اللذين تصرف بهما قريش السأم عن الوقت ،
وكان لياسر من ملاحظته وعقله وتجربته وحكمته اليمانية ما
يؤهله أن يقع من ابنه موقع المعلم من التلميذ .
قال المحدث : وقطع عليهما حوارهما ذلك الصباح هتاف
هبط عليهما من ( أبي قبيس ) كما هبط على غيرهما ، وعلى غير
بيتهما ، من متحدثة ( مكة ) وأنديتها ، وقطع من الأحاديث كلها
ما قطع من حوارهما ذاك ، وأنصتا فإذا الهتاف يهبط من ( أبي
قبيس ) نقيا صافيا حارا مثيرا يبعث الروع والروعة جميعا ،
وتابعاه بكل حسهما وبما اقشعر من بدنيهما ، فإذا هو يردد هذه
الأبيات في نقاء وصفاء وحرارة وإثارة :
يا للرجال لمظلوم بضاعته * ببطن مكة نائي الحي والنفر
ومحرم أشعث لم تقض عمرته * يا أهل ( فهر ) وبين الحجر والحجر
هل منصف من بني ( سهم ) فمرتجع * ما غيبوا ؟ أم ضلال مال معتمر
قال عمار : أرأيت - يا أبتي - إلى ما حدثتك عنه من سفه
هؤلاء ؟ لقد بلغت الشكوى منهم رؤوس الجبال ! .
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 34
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٣٤