الحياة عبوسا ، ويردوا رخاء العيش شدة ، فهؤلاء سفهاء من
أمية وجمح وسهم وعدي لا تكفيهم أفياؤهم ومرابحهم ، ولا
تسد شهواتهم القيان ومن استزلهن الشيطان من نساء
الحاضرة ، حتى يسطوا بتجارة الغرباء ، ويغلبوا الزائرين على
بناتهم ، فيبلغوا حاجتهم من الأموال والأعراض بغزو أبشع من
غزو البادية ، وأشنع وأشد استهتارا .
قال لأبيه مرة : ويح هؤلاء السفهاء ألا يتقون شر هذه البدع
المنكرة في قدس بلدهم الذي به يحيون ، إن لم يتقوها في
زكاة أنفسهم ، وتقوى ضمائرهم ؟ ألا ينظرون إذا تسامع بشأنهم
الناس من حجاج ( البيت ) ومصرفي التجارة ، أن يخلعوهم من
( البيت ) ويزيلوهم من الحكم ؟ أو يقاطعوهم إذا لم يستطيعوا
إلى خلعهم وإزالتهم سبيلا ، فيميتوهم فقرا ومذلة وهوانا ؟ ما
رأيت طيشا كطيش هؤلاء السفهاء ! ولا يرى طيش كطيشهم
يفسد على صاحبه آلة العيش بله عفة النفس وراحة الضمير !
فقال له ياسر : أراك منذ اليوم تكبر على سنك ، وتسمو فوق
شأنك ، أتسوق إلي هذا الحديث من نفسك ؟ أم ألقى به إليك
ملق أراد بك شرا ؟ .
قال عمار : لم يلق إلي بهذا الحديث إلا عيني المبصرة ،
وأذني السامعة نقلتاه إلى نفسي ، ثم لم تنقله نفسي إلى أحد
قبلك ، ولم تنقله إليك إلا هذه الساعة ، وإن كنت لأعلم أن
نفرا من الصعاليك أمثالي ليئنون أنيني ، ويشكون شكواي ،
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 25
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٢٥