نفسه ووداعة في طبعه ، ولينا في مزاجه ، وانصرافا عما لا
يعنيه . أما الذين عاشروه حق المعاشرة ، وبلوا دخائله حق
البلاء ، فكانوا يعلمون أن لصمته مصدرا آخر أعمق من هذه
المصادر كلها ، وإن كانت هذه لمصادر حق تؤثر فيه الصمت
وتطبعه عليه . أما المصدر الخطير فكان تفكيرا ملحا من تفكير
حنيف - كما كانوا يقولون - أو وعي حر - كما تعودنا أن نقول
اليوم - من وعي الأحرار المفكرين ، وكان الوعي في عهده
متململا يبرق إلى الواعين ، ويخامرهم ، ويؤامرهم ، ويحثهم
حثا عنيفا على إعادة النظر بهذه الوثنية المظلمة ، وبهذه
العادات الرثة وبهذه الأنظمة البالية ، ولكنهم كانوا يخشون
الجهر ، ويخافون الظهور ، ولا سيما مستضعف كعمار ، أكبر
حجته في بقائه بمكة حلف أبيه لأبي حذيفة ، وكل قوته أنه
منسوب إلى هذا الزعيم من مخزوم ، فما أحراه إذا يتخلى عنه
أبو حذيفة أن يمزقه السياط ، أو تتقاذفه الغلمان ، أو تتخطفه
الشياطين ، فيذهب من أجل هذا صامتا صمته العميق المفكر ،
موادعا سادة قريش موادعة أحلافهم وعبيدهم منتظرا مع هذا
وذاك رجفة الزلزال التي يحسها في نفسه ، ويحسها في
نظرائه ، ويحسها في سير الأحداث .
وكان خلال صمته ينتقد بينه وبين نفسه ، وربما انتقد بينه
وبين أبيه مصير مكة في عهده ، وسوء منقلب سادتها أو أكثرهم
ممن أسرفوا على مكة وعلى الناس وعلى أنفسهم ، فارتدوا
جبابرة يوشك أن يبدلوا أمن ( البيت ) خوفا ، ويعيدوا بشاشة
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 24
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٢٤