حصاها بوباء ، فلا ترمي إحداهن الحصاة الصغيرة على رجل
إلا خرقته ، ونشرت فيه داءين من حصبة وجدري وما هي غير
ساعة حتى انكشف العدو مقطعا ، وانتصر ( البيت ) موفورا ،
وجلت الطير مشكورة ، ونزلت السماء تغسل بقايا الوباء ومنذ
ذلك اليوم تعلمت أشياء نافعة كثيرة ، تعلمت الإيمان برب
البيت الذي يعبد عبد المطلب ، لا بهؤلاء الأرباب الذين
تعبدهم عامة قريش ، وتعلمت أن إيمان المؤمن المستضعف
أقوى من قوة الظالم المتعجرف ، وتعلمت أن لا أزيد
بانتصاري للحق على طاقتي ، ولا أعدو فيه طوري ، نازلا عن
قيادته لأصحاب القيادة وأكفائها ، كما نزل عبد المطلب لربه عن
حماية ( البيت ) فيما أعجزه من حمايته . دع هذا الأمر - يا بني -
لأصحابه ، فأنت بالقياس إلى هؤلاء السفهاء أضعف من
عبد المطلب بالقياس إلى جيش أبرهة ، وبنو عبد المطلب في
حرصهم على قداسة ( البيت ) وأمن بلدهم ، وفي قدرتهم على
الأخذ بأعراف هؤلاء السفهاء حيث لا تقاس إلا بأحد
غلمانهم ، فدع لهم أو لواحد منهم أن يتحدث بهذا الأمر ،
ويفشيه بين الناس فإنه إن يفعل لا يجد أحد في مكة إليه
سبيلا ، وعساه إن فعل أن يبلغ من تأديب هؤلاء السفهاء ما
يرضيك ويرضيني ويرضيه ، وسواء أبلغ من تأديبهم الحاجة أم
لم يبلغها ، فهو من حاليه في حصن من الأذى ، وفي قمة طاعة
الناس لأمره ، أو إصغائهم إلى قوله ، أما نحن - يا بني - فليس
لنا من الأمر غير الرضوخ والصبر ، فإن أبينا سلخوا جلودنا كما
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 27
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٢٧