يدنو إليه الجوع من فوقه ولا من تحته ، ففيها بيت الله ، وعليها
سدنته الأسماح المطيبون يبذلون لضيوفها الرفد والكرامة من
أنفسهم ، ويبسطون العدل في القضاء من حكومتهم ، فهم آمنون
وادعون كافلون للأمن والدعة ، لا يروعون ولا يروعون .
فلما يئس الإخوان الثلاثة من العثور على فقيدهم في مكة ،
انحسر عنها مالك والحارث ، واستقر فيها ( ياسر ) حليفا لمضيفه
أبي حذيفة سيد مخزوم ، يحفظه هذا ، ويحفظ هو لهذا يده
عنده ، ويثيب إحسانه إليه وامتناعه به ، بالوفاء له أكرم الوفاء
وأصفاه وأخلصه . وكان أبو حذيفة كأخيه ( هشام ) من قبل ،
وكأخيه ( الوليد ) من بعد ، زعيما سمحا كريما رضيا حافظا
للمعروف مثيبا عليه ، وكان حدبا على حليفه العنسي بوجه
خاص ، رؤوفا به رحيما ، يؤثره بحب يضيفه إلى ما أخذ به
نفسه من حلفه ، وربما أضاف إلى هذا وذاك شيئا من احترامه
لهذا العنسي الغريب الذي اضطرته الأقدار إلى الاعتصام بغير
داره ، ورمته إلى دار يطلب فيها الحماية من غير أهله ، وعسى
أن يكون ، بل هو قد كان ، ذا دار منيعة عزيزة ، وذا أهل كرام
أشداء ، من أجل هذا حالفه أبو حذيفة ، ثم أحبه ، ثم احترمه ،
ولم يخيب ياسر ظن حليفه ، فوفى له ، ثم تصرف بوفائه
وضعف اللاجئ ، وبين كرامة النفس واستقلال الرأي . فكان
من سلامة سلوكه ومن صفاء معدن حليفه معا أن عرف بعد
ذلك مخزوميا له ما للمخزوميين ، وعليه ما عليهم . يطوف
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 21
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٢١