بعد أن استوضحه عمه - أسرار الشورى واتجاهاتها المختلفة ،
فأشار عليه العباس بالترفع عن جلساتها ، ولكن لعلي مذهبا
مثاليا واقعي المثالية لا يتنازل عنه لذلك خالف عمه ، وأطاع
مذهبه المتعرض أبدا للتضحيات ، راسخا - على اختلاف
الأحداث - رسوخ الحق ، مكتفيا من النجاح بالترفع عما يخس
رجل الدين في فرض مصالحه العليا على الدنيا .
كان الستة وحدهم في الغرفة ، وكان بباب الغرفة أبو طلحة
الأنصاري على رأس كتيبة من رجاله تصطف دونه اصطفافا
عسكريا وكان خلف هذه الصفوف جمهور غفير من الناس هم
مجندون أيضا ، وكان الجمهور الغفير صفين يتجندان لرأيين لا
ثالث لهما ، في الغرفة ستة مرشحين هذا صحيح ، ولكنهم
كانوا في حساب الناس : كل الناس ، اثنين لا أكثر ، هما
علي ، ومرشح عمر ، ولا يشك من حضر أن أولهما كان أخطى
بالكثرة ، وأرجح بأهل السابقة والثبات ممن يتكلم باسمهم
عمار والمقداد ، وأن ثانيهما كان محروسا بالقوة معتمدا على
تأييد حزبين حكوميين : أحدهما : ممثل بحراب أبي طلحة ،
وثانيهما - ممثل بنفاق ابن أبي سرح صفي الجمهور ، وروى
من شهد تلك الأيام أن حماسة الجمهور بصفيه كانت حماسة
حافزة ضاجة ضارية ، وكان صخبها يخترق صفوف الجند ،
ويكسر أقفال الباب ، متدفقا يملأ أسماع الستة في خلوتهم ،
بالواقع الذي لا يعترف بأربعة منهم ، ولا يجاملهم ولو بكلمة .
الهتاف من الخارج يأتي واضحا صريحا يعلن اسم علي
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 175
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص١٧٥