عقوباته صادرة بمقتضى الحس العام ، فإن هذا الحس ليس هو الحكم في تشخيص الأفعال التي يجب أن يُعاقَب عليها أو يُثاب . وإنما الحكم في ذلك هي المصالح الحقيقية للفرد والمجتمع . والذي يدرك هذه المصالح على حقيقتها هو الله ( عز وعلا ) ومن ألهمه ذلك بطريق خاص .
بالإضافة إلى أنه يرد عليه نفس ما سبق أن أوردناه على نظرية الإرادة العامة ل - ( روسو ) ، لأن العقاب في الحقيقة راجع أيضاً إلى مفهومي العدالة والظلم ، وقد قلنا هناك أنهما مُقوِّمان عقليان ، واعتبار الحس العام أو الإرادة العامة حكماً فصلًا فيهما يؤدي إلى ضياعهما ، للاختلاف الذي يحدث في آراء الناس وإراداتهم وإحساسهم بين زمان وزمان .
* * * أما بالنسبة إلى الفقرة الثانية من هذه المادة ، وهي التي تَنُصُّ على عدم جواز العقاب إلا بحسب القوانين الموضوعة والمذاعة قبل ارتكاب الجريمة ، والمعمول بها شرعاً . فإنها تعني أنه لا يجوز للقانون أن يكون ذا أثر رجعي
Retroactive
، أي أنه يشمل ما قبله . وهذا هو الأسلوب الفرنسي في سن القوانين « 1 » .
وهذا عين ما يذهب إليه الإسلام ، فإنه وإن لم يكن من المعقول صدور قوانين جديدة في الإسلام . إلا أنه يمكن أن يُستدَل عليه ب - ( أصالة البراءة ) التي تعني براءة الذمة من الأمر المشكوك الوجوب أو الحرمة ، وهي قاعدة تُذكر في علم أصول الفقه ، ويُفرَّق هناك بينها وبين أصالة الإباحة السالفة الذكر ، ومن
هامش
( 1 ) محاضرات في التأريخ الحديث