طليقاً .
* * * أما بالنسبة إلى معاقبة الذين يطلبون تنفيذ أوامر تعسفية أو يأمرون بتنفيذها ، فيجب أن نرجع إلى رأي الفقه الإسلامي في الموضوع ، الذي هو المرآة الصادقة للقانون الإسلامي الخالد . فإن الفقهاء يفصلون بين ما إذا كان الفاعل المأمور كالآلة بالنسبة إلى الآمر ، كأن يرسل صبياً غير مميز أو مجنوناً لارتكاب الجريمة ، فإن الآمر في هذه الحالة هو الذي يعاقب على الجريمة ، حيث أن الفاعل لم يكن له وجود مستقل في مقابل وجود الآمر . أما إذا كان الفاعل شخصاً مميزاً عاقلًا فيجب عليه عصيان الأمر بالجريمة مهما كلَّفَه ذلك ، ولو كلَّفَه ذلك حياته إذا كان الأمر متوجهاً إليه بجريمة قتل ، أما لو فعل فإن العقاب ينزل عليه فقط ، ولا يعتبر الآمر كالفاعل في العقاب .
أما الآمر نفسه ، فإنه حينئذ لا إشكال بتوجُّه العقاب عليه ، ولكنه غير عقاب الجريمة نفسها ، وإنما يعاقب لانطباق عنوان آخر عليه كإرادة الإفساد في الأرض الذي هو من المحرَّمات الإسلامية الكبرى ، وعلامة ذلك أنه يعاقب سواء فعل المأمور الفعل المقصود أو لا ، غاية الأمر أنه بعد تنفيذ الجريمة يزداد عقابه بلا شك . أما بالنسبة إلى الموافق على الجريمة ، فإن كان له عمل إيجابي في الموضوع كأن يُوَقِّع ضمن تواقيع واضعي خطة الجريمة مثلًا ، فهو يعد أحد الآمرين بالجريمة ، وتجري عله نفس الأحكام السابقة . وإن كانت موافقته بمعنى سكوته بعد علمه بصدور الجريمة وغض نظره عنها ، فإن ذلك لا يعني مشاركته في الجريمة ، إذ لعل سكوته ناشئ عن مُبَرِّرات صحيحة كالخوف - مثلًا - ولكنه يجب عليه - وعلى كل مواطن - أن يمنع وقوع الجريمة بما
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان — صفحة 88
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٨٨