بالنسبة إلى العدالة فإن إرادة أكثرية الشعب إن اجتمعت على أمر عادل من الناحية العقلية فذلك ، وإلا فإن الإرادة العامة قد تخطئ إذا اجتمع الشعب على شيء باطل .
ومن هذا يظهر أنه يلزم من جعل الإرادة العامة مقياساً للصواب والخطأ ، ضياع هذين المفهومين وانطماس آثارهما ، لأنّ هذه الإرادة مُتغيِّرة بين زمان وزمان ، بل قد لا يحتاج تغيرها إلى أكثر من عام واحد ، بحسب اختلاف الآراء العامة والتيارات السياسية والاجتماعية . مما ينتج أن يكون الفعل صواباً وعدلًا في زمان ، وظلماً وخطأ في زمان آخر ، وأن يكون الفرد مُستحِقّاً للعقاب على فعلٍ معين في وقت ، ومحموداً على نفس الفعل في وقت آخر ، وهذا مخالف للوجدان والفطرة العقلية .
كما أن جعل الإرادة العامة مصدراً للقوانين يلزم منه أن لا يصدر القانون برضاء كل فرد من الشعب ، وخاصة بعد أن فَرَّقَ ( روسو ) بينهما وبين ( إرادة الجميع ) ، حيث ذهب إلى أن إرادة الجميع تأخذ بنظر الاعتبار المصالح الفردية ، وتمثل مجموع إرادات الشعب ، في حين تهتم الإرادة العامة بالمصالح العامة المشتركة ، وذلك لأن كل فرد يضطر أن يتنازل أثناء وضع القانون عن بعض آرائه تحت ضغط آراء الآخرين ، ومراعاة لحريتهم في التصويت ، وتؤثر في عملية التصويت هذه عوامل متعددة نفسية وفكرية واجتماعية تؤثر في وضع القانون ، وينتج القانون أخيراً ذو شكل لا هو مُرضي لكل فرد منهم ، لأن كُلًا منهم قد اضطر إلى التنازل فلم يكن القانون مُطابقاً لآرائه تمام المطابقة ، ولا هو مُرضي لمجموعهم بعد أن كان غير مُرضي عند كل فرد ، ولكنه عبارة عن نتاج هذه التفاعلات والتنازلات التي قامت بين الأطراف المشتركة في مناقشة القانون والتصويت عليه .
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان — صفحة 80
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٨٠