أين يمكن أن تأتيه ؟ وليس لديه ثقافة طبية عامة يمكنه بها أن يميِّز المضر من النافع ، من المأكولات أو المشروبات أو الأمكنة أو الأجواء ، فربما عَرَّضَ نفسه لأخطار المرض وهو لا يعلم ، وليس هناك طبيب يُشَخِّص مرضه ويصف له الدواء . ولعمري إن اللذة الناشئة من الأخلاق الفاضلة والنظام والأمن لَهِيَ خير من تلك اللذة البدائية البسيطة .
ولعل تلك السعادة التي يُراد أن يدَّعيها ( روسو ) ناشئة من التحرر الذي تتصف به الحالة الطبيعية المفترضة ، حيث ينطلق كل فرد مع شهواته ونزواته ويمارس إشباعها كيفما شاء وأنى شاء ، بدون رادع من نظام أو وازع من دين . وهذه بالطبع ليست إلا سعادة مادية صِرفة ناتجة عن إشباع الإنسان لغرائزه من ناحية ، والشعور بالتحرر من السيطرة من ناحية أخرى . ولكننا لو علمنا أن تلك الحياة ليست إلا حياة بهيمية ، وإن كبح جماح الغرائز والخضوع لسيطرة القانون هي من الركائز الأولى لاستتباب الأمن والنظام وانتشار الأخلاق في ربوع المجتمع . ومن ثم فإنّ الإسلام يرفض بحزم تلك الحياة البهيمية الفاسدة ، ويؤكد على السعادة التي ينالها الفرد من دراسة العلوم أو خدمة المجتمع أو التقرب إلى الله تعالى والخضوع له وعبادته بإيمان وإخلاص .
أما نظريته حول ( الإرادة العامة ) التي هي جوهر فلسفته ونظريته السياسية ، ومحاولته الإدِّعاء بأن هذه الإرادة مصيبة دائماً وتميل إلى تحقيق الخير العام ، وأن القانون هو التعبير المباشر للإرادة العامة التي تمثلها أكثرية الشعب ، ولا يمكن أن يكون القانون غير عادل لأن العدالة هي إرادة أكثرية الشعب .
فإن كل هذه الأمور محل مناقشة من وجهة النظر الإسلامية فإن تمييز الخطأ والصواب ما دام موكولًا إلى العقل لا إلى أي شيء آخر كما عرفنا ، فإن الإرادة العامة قد تطابقه فتكون مُصيبة ، وقد تخالفه فَتُجانب الصواب ، وكذلك
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان — صفحة 79
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٧٩