ومسايرتهم بالأخلاق والإنصاف ، فإن هذا أيضاً مما ينبغي أن يكون حتى مع صرف النظر عن التعاليم الإسلامية ، فإن كل مجتمع لا يمكن أن يستمر في الوجود بدون الآداب والأنظمة المرعية ، إلا كانت الحالة فيه كالحالة الطبيعية جحيماً لا يطاق .
وأما أن تكون الحرية التي تُحجَز بسبب التعاليم الإسلامية هي الحرية في مقابل الخضوع للدولة وتلبية أوامرها ، فلعمري إن ذلك مما يدعو إليه العقل ، كما ذهب إليه هؤلاء الفلاسفة ولا يكون الأمن والنظام إلا به . والإنسان لم يخرج منذ أول خلقته عن سلطة حاكم يحكمه ويُدير شؤونه ، فهلَّا كان هذا الحاكم هو قوانين الله ( عز وجل ) وشخص معصوم هو الإمام عليه السلام ، ليرقى المجتمع إلى قمة العدالة الإنسانية .
أما بالنسبة إلى رأي ( جون لوك ) من أنه لا بد للتخلُّص من الحالة الطبيعية من وجود القانون الذي يتَّفق الجميع على أنه مقياس الصواب والخطأ . فإن الذي يُعيِّن الصواب من الخطأ - كما أسلفنا - ليس هو القانون ولا السلطة التشريعية ، بل هو العقل . وغاية ما تفعله السلطة التشريعية هو تشخيص مصاديق القواعد العقلية الأولية ، وليس اتِّفاق الجميع على شيء يعني أنه صواب ولا رفضهم له يعني أنه خطأ . فإن العقل البشري المختلط بالأهواء والرغبات ، والذي تمثله آراء الأكثرية ، غير قابل لإدراك مصالحه الحقيقية ، بالإضافة إلى أن إسناد تمييز الخطأ من الصواب ، إلى اتِّفاق الجميع يؤدي إلى ضياع الخطأ والصواب لما في هذا الإتِّفاق من التَّحوُّل والاختلاف بين زمان وزمان ، باختلاف أنواع الثقافة والتقاليد والذوق العام في حين أنه يستحيل على الحقيقة العقلية أن تتغير .
أما ( حق الثورة ) الذي هو جوهر نظرية هذا المفكر الإنكليزي ، فإنه إنما
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان — صفحة 76
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٧٦