غضون مناقشاتنا للمادة الخامسة لهذا الإعلان . حيث استشهدنا هناك بقول سيد الأوصياء وإمام المتقين أمير المؤمنين عليه السلام
« أَتَأمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ » « 1 » .
أما ما ذهب إليه ( هوبز ) من أنه يجب أن يكون ثمة سلطة لتقرر بين الناس ما هو الحق ، وما هو الباطل ، وما هو متفق مع قانون الطبيعة ، وما هو مخالف له ، فكأنه يقصد من ذلك أن ما هو حق هو الموافق للطبيعة ، وما هو باطل هو المخالف لها ، فكأن أهواء الإنسان وغرائزه التي تطلب الإشباع بأي طريق كان ، هي شيء مستحسن ينبغي للقانون أن يفسح المجال له ، وأن يضع تعاليمه على طبق ما يدعو إليه ، وإلا كان القانون مخالفاً للحق ! أما الأخلاق ، والنظام ، وضبط النفس وسائر الأمور التي تقيِّد الطبيعة ، فهي أمور باطلة تجب محاربتها وإلغائها ، فإذا كان الأمر كذلك فعلى الفكر الإنساني ألف تحية وسلام .
ولكن مهما يكن من أمر ، فإن السلطة القانونية ليست هي صاحبة الحق في تحديد الحق والباطل ، فإن الحق والباطل لا يتحدد بيد السلطات ، وإنما الحق والباطل - كما سبق أن أكدناه - أمران عقليان صِرفاً لا يمكن التعرف عليهما ، وغاية ما يفعله المشرعون هو تشخيص المصاديق والجزئيات لهذه القواعد الكلية العقلية ، وغاية ما يمكن أن يفتخر به قانون من القوانين أنه قد اقترب من العدالة أو الحق ، أكثر فأكثر ، وكلا هذين المفهومين من المفاهيم العقلية الصِّرفة .
ولا ينبغي الخلط بين هذه القواعد العقلية وبين ما سماه ( هوبز ) بقانون الطبيعة ، فإن هناك فرقاً شاسعاً بينهما ، فإن قانون الطبيعة يعني الإنسان مجرداً عن العقل ومستسلماً لأهوائه ونزواته ، تقوده حيث تشاء ، أما القواعد العقلية ، فإنها تعني الإنسان مُتحلِّياً بالعقل ، ومجرَّداً من العواطف والغرائز إلى أكبر حد
هامش
( 1 ) - نهج البلاغة ، شرح محمد عبده : ج 2 ، ص 6