هو الإمام المعصوم المنصوب من قبل الله ( عز وجل ) إلا أن بين هذه النظرية الإسلامية وبين نظرية الحق الإلهي في الحكم ، بَوناً بعيداً هو البعد الموجود بين العدل والظلم ، وبين التَّعَسُّف والرحمة ، وبين الظلام والنور . فإن الملك الذي يدعي أنه يستظِلُّ في عرشه بظل الله ( عز وجل ) ، إنما هو ملك جائر مستبد ، تذرَّع بهذه النظرية لحفظ ملكه وإخضاع شعبه ، ثم إنه هو الذي يَسُنُّ القوانين على أساس أهوائه ومصالحه الخاصة وتفكيره الخاص ، وهو الذي يطبقها على شعبه بأي أسلوب شاء ، وبدون أن يكون لشعبه حق المناقشة والاعتراض .
أما في الإسلام فإن الله ( عز وجل ) نَصَّبَ إماماً معصوماً مبرءاً من الذنوب ، خالياً عن العيوب ، يستحيل عليه الزلل والخطأ ، لما في نفسه من مَلَكَةٍ قدسية عالية ، هي المسماة ب - ( العصمة ) . نصبه لكي يطبق القوانين التي أنزلها الله عز وجل لسعادة البشرية ورفاهها وانتشار العدل بين ربوعها . ومثل هذا الإمام ومثل هذه القوانين ، هي أهل لأن تخضع لها البشرية وتدين بتعاليمها ، فإن العقل يحتم على الإنسان أن يختار النظام الأفضل لمعيشته ، وليس ذلك ، إلا ما أختاره الله تعالى - خالق البشر ورازقهم والمطَّلع على سرائرهم وحاجاتهم وغرائزهم - لهم من القوانين . وحسب الإنسانية من السعادة والكمال أن يُطبَّقَ في ربوعها مثل هذا القانون بواسطة مثل ذلك الإمام المعصوم .
ومن هنا نعرف أن الإمام ( عليه الصلاة والسلام ) لا يضع القوانين كما هو شأن الملوك الذين يدّعون السلطة الإلهية . بل إنه مخوَّل فقط بأن يختار الطريق الصالح إلى تطبيق القوانين الموضوعة سلفاً من قبل المشيئة الإلهية ، كما أنه أَجَلُّ قَدْراً ، وأشرف نفساً ، وأقرب عند الله تعالى ، من أن يظلم أحداً ، أو أن يتجاوز على حقوق أمته ، أو تعاليم دينه القويم ، كما مضى وأكَّدنا على ذلك في
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان — صفحة 69
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٦٩