صدر ، طبقاً لما عهده أمير المؤمنين عليه السلام إلى مالك الأشتر ، حيث يأمره في عهده المشهور قائلًا
: ( وَاجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ « 1 » مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ ، وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً ، فَتَتَوَاضَعُ فِيهِ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَكَ ، وَتُقْعِدُ « 2 » عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَشُرَطِكَ « 3 » حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ « 4 » فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ( ص ) يَقُولُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ : " لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ « 5 » لَا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ " . ثُمَّ احْتَمِلِ الْخُرْقَ « 6 » مِنْهُمْ وَالْعِيَّ « 7 » وَنَحِّ عَنْهُمُ الضِّيقَ وَالْأَنَفَ « 8 » يَبْسُطِ اللَّهُ عَلَيْكَ بِذَلِكَ أَكْنَافَ رَحْمَتِهِ وَيُوجِبُ لَكَ ثَوَابَ طَاعَتِهِ ) « 9 » .
ثم إن الإمام عليه السلام ينظر في شكوى المشتكي ، ويفحص عن حال الموظف بدقة ، فإن ثَبُتَ أنه قام بمخالفة لتعاليم الإسلام ، أو ظلم لبعض أفراد شعبه ، أَنَّبَهُ أو أقصاه عن منصبه وعاقبه ، إن كان ذنبه يستحق العقاب . وإلا رَدَّ المشتكي رداً جميلًا ، وبقي الموظف في منصبه لخدمة مصلحة الإسلام العُليا .
ولعلنا نستطيع أن نستشهد لهذه الرقابة الشعبية الإسلامية ببعض الحوادث التأريخية ، كالذي كان يقوم به أبو ذر عليه الرحمة والرضوان ، لما أعطى عثمان بن عفان مروان بن الحكم وغيره بيوت الأموال ، واختص زيد بن ثابت بشيء منها . جعل أبو ذر يقول بين الناس وفي الطرقات والشوارع : بَشِّرِ الكافرين بعذاب أليم ، يرفع بذلك صوته ويتلو قوله تعالى :
« وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيم » « 10 » .
هامش
( 1 ) - لذوي الحاجات أي المتظلمين تتفرغ لهم فيه بشخصك للنظر في مظالمهم
( 2 ) أي تأمرهم بالقعود عنهم وعدم التعرض لهم
( 3 ) - الشُرَط - بضم ففتح - : طائفة من أعوان الحاكم ، وهم المعروفون بالضابطة ، واحده - شُرْطَة - بضم فسكون
( 4 ) - التعتعة في الكلام : التردد فيه من عجز وعِي ، والمراد غير خائف تعبيراً باللازم
( 5 ) لن تُقدَّس : لن تُطَهَّر
( 6 ) - الخُرق - بالضم - : العنف ضد الرفق
( 7 ) - العِي - بالكسر - : العجز عن النطق
( 8 ) - الأنَف - محركة - : الاستنكاف والاستكبار
( 9 ) نهج البلاغة للإمام علي : شرح محمد عبده ، ج 3 ، ص 102
( 10 ) شرح النهج لأبن أبي الحديد ص 256 ج 8