القانون ، ولم يكن يستطيع واضعو هذا الإعلان ، ولم تكن تستطيع الحكومات إلا أن تفعل ذلك بعد أن علمت ما في الحرية المطلقة من فساد وانحلال .
بعد كل ما مضى نعرف أن الدولة الإسلامية لم تقيد الحرية إلا بحسب وجهة نظرها الخاصة ، وفي ضمن نطاق عقليتها العامة ، وقوانينها الإلهية ، التي تستهدف نشر العدل والسعادة بين ربوع المجتمع . والإسلام قد أدرك بثاقب نظره ، وبالغ حكمته تعذُّر الحياة مع الحرية المطلقة ، وتعذُّر الوصول إلى الحق مع حرية نشر الآراء ، في حين أن الحياة والوصول إلى الحق أثمن ما لدى الإنسان من أهداف ، إذن فلا بد من تقييد الحرية بشكل من الأشكال . وليس من المنطقي حينئذ أن تقيَّد الحرية بقوانين ظالمة ، لأنه يكون قد نشر من الجور أكثر مما قصده من العدل . فلا بد إذن من تنظيم القيود على الحرية بشكل عادل يضمن سعادة المجتمع ورفاهه . وهكذا كان ، وهكذا صدرت القوانين عن الله ( عز وجل ) العالم بحقائق المصالح الإنسانية والمطَّلع على سرائر البشر وغرائزهم . لتنشر العدل والسلام بين بني الإنسان .
وما دمنا قد عرفنا أن العدل لا بد أن يسود في البلاد ، وأن العدل لا يمكن إلا أن يكون واحداً ، لأن الإنسانية واحدة ولأن غرائزها وميولها وآمالها وآلامها واحدة ، وأن هذا المذهب العادل الواحد لا يمكن أن تدركه إلا الحكمة الإلهية اللانهائية ، وأن الله ( عز وجل ) قد تفضَّل علينا فعرّفنا بنفسه وبتعاليمه ، وما دمنا قد علمنا أن الحرية تنافي العدل ، وتنافي سيادة هذا المبدأ الواحد العادل في ربوع الإنسانية ، لما تسبِّبه من اضطراب وبلبلةٍ وتشتت في الآراء والأهواء . إذن فلا بد من سيادة العدل بدل سيادة الحرية ، وإنما تبقى الحرية سارية المفعول في ضمن هذا المذهب العادل .
وهكذا فعل الإسلام ، وهكذا فعلت الدول ضمن نطاق قوانينها التي تراها
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان — صفحة 109
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٠٩