ينافي مبادئها الأساسية وقوانينها الرئيسية ، ثم هي تعطي الحرية لما سوى ذلك . ومن ثم فإننا نرى أن الدول المؤسسة على أساس مذهب معين ووجهة نظر خاصة ، كالدول الشيوعية ، تفتقد فيها الحرية بالنسبة إلى مناقشة وجهة النظر التي تتبناها الدولة . ومن هنا نرى أن الدولة كلما قَلَّت فيها المبادئ الأساسية ازدادت نسبة الحرية فيها ، وصارت قوانينها عرضة للمناقشة والتغيير أكثر من غيرها . ولكن معنى ذلك في عين الوقت ألا تكون الدولة مهتمَّة بتطبيق القانون الحق ، وإنما تطبق في بلادها كل قانون حصلت عليه إرادة أكثرية الشعب .
والواقع أن إطلاق العنان للحرية المطلقة في نشر الأفكار لا يعني إلا بلبلة الأذهان ، وضياع الحق من الوسط الفكري ، واختلاطه بأكوام نَتِنَةٍ من الباطل . وجعل الرجل العادي متحيِّراً لا يدري إلى أين يتَّجه لكثرة الأصوات والدعوات التي يراها تنطلق حوله ، لذا نراه يتوجه نحو الصوت الأقوى والدعاية الأوسع ، ولا تعني الحرية أيضاً إلا هذا الصراع الدائم الرهيب بين المذاهب والأفكار المتضاربة ، ذلك الصراع الذي لا يقف على مدى الزمان ، ولن يمكن الحدّ من غلوائه ما دامت الحرية نافذة المفعول في البلاد . هذا الصراع الذي يترتب عليه كثير من المفاسد والأضرار الاجتماعية والنفسية والدينية والأخلاقية ، والذي ربما سبَّبَ نشر مذهب باطل ، واقتضى ظهور شرذمة فاسدة في حين يختفي الأناس الصالحون والمذهب الحق تحت الرماد .
ومن ثم فإننا نرى الحكومات الحديثة لم تستطع أن تحفظ الأمن والنظام وسيادة القانون في بلادها ، ولم يمكنها الاحتفاظ بسيطرتها وهيبتها ، إلا بعد أن جعلت على الحرية قيوداً كثيرة مستمدة - في كل دولة - من قوانينها الرئيسية ومبادئها الأساسية . وحتى هذا الإعلان نفسه قد اشترط على الحرية أن يكون صاحب الرأي مسؤولًا عن إساءة استعمال الحرية في الأحوال التي يقررها
نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان — صفحة 108
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٠٨