ب - لقد بلغت البراعة الصدرية في الحنكة السياسية حدا لا مثيل له حينما استغل بها لهدفه العظيم حاجة النظام القصوى إلى امتصاص الغضب الشيعي المارد الذي عصف به في الانتفاضة الشعبانية المباركة ، وعبر فيها عن هويته الاسلامية الصدرية التي هتفت بها الحناجر المليونية ، منادية بظلامتها واخذ ثأرها ، وكان رجاء النظام ان يقوم مرجع من ذلك البيت الكريم بالتصدي ، واخذ زمام المبادرة في ذلك الوسط المظلوم ، ليصيب بضربة واحدة هدفين أساسيين هما : اسكات الصوت الشيعي الهادر ، ثم تحويله بالتدريج بصلاة الجمعة وغيرها إلى شبيه الحالة الاسلامية السنية التي لم يجد فيها النظام خطراً جدياً ، ولم ير من منابرها في الجمعة وغيرها سوءً ، وكان خطباؤها يدعون لرمز السلطة بالحفظ والبقاء ، لأنه ولي الأمر المفترض الطاعة ! .
هكذا حَلُم النظام ، وسوّلت له طموحاته الجامحة ، اما الصدر فان فطنته النافذة أوحت اليه ان يغتنم الفرصة التي ان فاتت كانت غصة لا تنقطع مدى العمر ، فنشط في التحرك ، مستغلًا ظروف ضعف الجهاز الحاكم ، والضغوط المحيطة به من كل مكان ، موهماً إياه انه لا شأن له في النشاط ضده ، وما دامت الحرب خدعة كما يقول الدين والمنطق البصير ، فان الكياسة الصدرية لابد ان يكون لها حضورها الفاعل المؤثر الحكيم في توجيه الأوضاع ، وادارتها بالطريقة التي تجرها في خطتها الذكية إلى المراد ، ودخل الصدر بهدفه وخطته في سباق مع هدف النظام وسكوته المؤقت ، وكان على عجلة من امره ليصل إلى ضالته المنشودة قبل ان يرتكب الجناة
السيد الشهيد محمد الصدر ، بحوث في فكره ومنهجه وإنجازه العلمي — صفحة 74
مساهمون: نخبة من العلماء و الباحثين
ص٧٤