هذه الخصائص الرفيعة ، وأسوة الأعم الأغلب من قطاع الحوزة الذي يكابد الحرمان وشظف العيش ، فيجد فيه السلوة والعزاء ، ومصداق ما اراده جده أمير المؤمنين لائمة العدل ورموز الأمة :
( ان يقدّروا أنفسهم بضَعَفَة الناس كي لا يتبيّغ - يشتد - بالفقير فقره )
ولم أشاهده قط الا في أجواء الروح الصافية ، المتعبدة ، المتنسكة ، المتحررة من قيود الدنيا واغلالها ، داعياً إلى العزوف عنها ، والقناعة بما قسم الله من ميسور حلالها ، وعدم التفكير بالنزوع إليها ، فضلًا عن الاستغراق في همها وغمها ، مؤكداً على تركها لمن يريدونها جاهدين ان يظفروا بزينتها وطيباتها .
وفي تصوري ان هذا المعْلم من معالم تلك الحياة الشريفة هو من أبرز ملامح اليقين في ذلك القلب العامر بحقيقة الإيمان ، وروعة الاسلام الحق ، حيث تعاضدت المشاعر والمظاهر لتكوّن التجسيم الفذ للهيام في ذات المحبوب الأسمى ، والسعي الصدوق إلى قربه الأدنى ورضاه الأوفى .
كان مألوفاً لدينا جداً ان يعايشنا بلباسه الرث أو الممزق أحياناً ، وحذائه المتهالك ، وهو يبحث مثلنا في السوق عن اليسير الزهيد مما تعج بها من لذائذها التي بحث عنها الآخرون بواسطة خدمهم وحشمهم ، فجلبوها لهم ، ليتنعموا بها ، وهم يحسبون ان في تبرير الشأنية بلا قيود ، وفي تسويغ المكنة بلا حدود ، وفي مندوحة الحلية بلا ضوابط - عاذراً عن الملام ، وحجاباً مستوراً عن سوء الكلام .
السيد الشهيد محمد الصدر ، بحوث في فكره ومنهجه وإنجازه العلمي — صفحة 64
مساهمون: نخبة من العلماء و الباحثين
ص٦٤