أما الفائدة التاريخية القصوى من هذا « التمحيص » فهي ما يترتب على تمحيص المبادئ الوضعية في جوانبها الفكرية والسياسية والاجتماعية ، حتى يثبت عجزها عن إيجاد الحلول العادلة للمشكلة الانسانية ، الأمر الذي سينتج عنه يأس البشرية من هذه الأطروحات ، ولجوئها إلى العدل الكامل المتمثل بالإسلام في اليوم الموعود . لذلك يأتي هذا الانحراف بمثابة خطوة أخرى في مصلحة التطبيق العالمي في اليوم الموعود « 1 » .
لكن الوصول إلى هذه النتيجة عملياً ، أي قيام دولة العدل الشامل ، سوف لا يكون تدريجياً وسهلا ، كنتاج طبيعي لتطور الاحساس بالحاجة الماسة إليه ، والقناعة بكونه الحل الوحيد لمشاكل الانسانية . لأن هذا الاحساس وهذه القناعة سوف لايشملان سائر البشرية ، بل ولا أكثرها ، وإنما الأفراد والشرائح الواعية لهذا والمؤمنة به . من هنا فإنّ الانتقال إلى دولة العدل العالمية الموعودة سيكون عن طريق الحرب والغزو والفتوحات ، بالضرورة .
أي أن التخطيط في هذه المرحلة سوف لا يعتمد على التجربة البشرية وحدها للانتقال إلى ما بعدها ، وكأن التجربة البشرية ستكون لوحدها قاصرة عن الوصول إلى مستوى تحقيق دولة العدل العالمية الشاملة ، حتى مع وجود القائد الذي أعده هذا التخطيط ، ووجود الجماعة الكافية لنصرته .
إذن الحروب هي التي ستكون طريقاً إلى الدولة العالمية ، وليس الفرار
هامش
( 1 ) المصدر نفسه : 516 - 515 ، 519 - 517 .