وإذا كان هناك عدة خطوط يزعم كل واحد منها أنه الذي يمثل الفهم الصحيح ، والطريق المنقذ ، والمنهاج السليم ، فإن السيد الشهيد يسجّل بوضوح ناصع إلى أن البحث الكلامي أثبت في مرتبة سابقة بأن « المطلوب إسلامياً ، هو متابعة خط الأئمة عليهم السلام الذين هم البقاء الأمثل للنبوة والإسلام . . . فلابد من التمسك به والسير عليه خلال الغيبة الكبرى ، لكي ينجو به المسلم من الفتن ويبتعد عن مزالق الانحراف » « 1 » .
ورؤية مثل هذه تفضي لا شك إلى وجوب العمل للإسلام لتطبيقه وامتثال أحكامه ، ورفع ما يمنع عن ذلك من عوائق مهما كانت طبيعتها وأياً كان مصدرها .
2 - من التغيير إلى الدولة
هل يقتصر النظر الفقهي للسيد الشهيد على الجانب السلبي المتمثل بمكافحة الظلم ومواجهة الحكام ، وممارسة الإصلاح الاجتماعي عبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أم إنه يتجاوز ذلك إلى الجانب الإيجابي المتمثل بتأسيس الدولة الإسلامية وإقامة نظام الحكم الإسلامي ؟ لا أريد أن أنسب إلى السيد إلا القدر الذي أتيقّن من صحة نسبته إليه .
أول ما يبدو لنا أن تلك المرتكزات الكلامية التي ساقها لوجوب العمل هي بنفسها خير دليل على إيمان صاحبها بإقامة نظام الحكم الإسلامي ، على اعتبار أن جزءاً من أحكام الإسلام يبقى معطلًا بغياب هذا النظام .
أما عندما ننتقل إلى النصوص التي بين أيدينا فهي تدلّ أنَّ الصدر الثاني يؤمن صراحة بأهمية الدولة وأن التطبيق الديني يبقى من دونها ناقصاً ، فالإسلام أسّس دولة كاملة في أول البعثة ، حيث « مارس النبي ( ص ) لأول مرة هذه الدولة بنفسه » ، و « دعا إلى تأسيسها في كل مجتمع يؤمن بالإسلام ، وأوضح أنه بدونها يكون التطبيق الديني الإسلامي ناقصاً » « 2 » .
ثمّ إن السيد الشهيد يتحدث في ثنايا كتاباته عن النظام الاقتصادي والإداري والقضائي في
هامش
( 1 ) الغيبة الكبرى ، ص 372 .
( 2 ) اليوم الموعود بين الفكر المادي والديني ، ص 503 .