بل ليست مقيدة فقط بالقوانين الكونية القاهرة ، والبيئة الاجتماعية الضاغطة ، بل هي محددة قبل كل شيء بالطريقة الموصلة إلى الأهداف الإلهية البعيدة . فأياً كانت هذه الأفعال الاختيارية ، وأي فرد من الأفراد كان فاعلها ، ومع كونها أفعال « اختيارية منسوبة لأصحابها ويستحقون عليها المدح أو القدح ؛ إلّا أنها بصفتها خلقاً من خلق الله سبحانه ، فهي منسوبه إليه جل جلاله . ومن ثمّ يكون إيجادها ذاحكمة وعلة غائية » « 1 » .
ولا يهمنا هنا مدى اقتراب هذه النظرية في فقرتها الأخيرة من نظرية « الكسب » الأشعرية ، التي وصفت بالجبرية المتوسطة كما سيأتي في بحث لاحق . لا يهمنا هذا بقدر ما يهمنا جوهرها الذي يفضي إلى أن كل الأفعال الاختيارية ، بكل ما تتضمنه من تناقضات . إنّما تجري وفق التخطيط الإلهي ، لتمثل مظهر الحكمة الإلهية في الوصول إلى الغاية العليا التي من أجلها خلق الله البشر .
هذه الصورة تشبه إلى حد ما التصور الذي قدمته الرواقية « 2 » للكون ككل ، وصلة العناية الإلهية به .
الرواقيون يرون أن كل شيء في الكون هو مرسوم منذ الأزل ، ويجري وفق العناية الإلهية ، التي هي الفعل الشامل المستقر في الكل . ويرون الإنسان مختاراً في دائرة هذه الجبرية التي تحكم الكون « 3 » .
هامش
( 1 ) محمد الصدر ، أضواء على ثورة الإمام الحسين : 13 - 14 .
( 2 ) مذهب فلسفي نشأ على الفيلسوف زينون عام 300 ق . م .
( 3 ) البان ج . ويد جيري ، المذاهب الكبرى في التاريخ : 96 - 97 . أبكار السقاف / الدين عند الإغريق والرومان والمسيحين : 368 ، العصور الجديدة ، القاهرة ، 2000 م .