تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
تقتضي إطاعتها عملًا من الأعمال وبين تعليمٍ دينيٍّ يخالفه ، أو بين قانونٍ وتقليدٍ اجتماعيّ ، أو بين تقليدٍ اجتماعيٍّ وتعليم ديني ، وحينئذٍ ينظر الفرد إلى مصلحته في ذلك ، فيرجح المتديّن دينه على كلّ تلك الاعتبارات ، ويرى أنَّ إرغامه على غير ذلك مخالفٌ لمقتضيات حبّ ذاته ، فينفر منه ويثور عليه . ويتبع الرجل القانوني مقتضيات القانون ، والاجتماعي مقتضيات التقاليد السائدة ، وإن كان اتّباعهما لذلك مخالفاً لتعاليم قوانين أُخرى . أمّا التزاحم بين تعليمين من قانونٍ واحد ، فهو قد يقع نادراً ، إلَّا أنَّه حينئذٍ يجب اتّباع المتأخّر منهما ؛ باعتبار نسخه للأوّل ، أو الأهمّ منهما في نظر المشرّع ، وعلى كلّ حال تخرج المسألة عن نطاق نظريّتنا وتدخل فيما يراه القانون المدنيّ أو الدينيّ في مثل هذه الصور . وهذا التزاحم الموجود بين مقتضيات القوانين وبين المقتضيات الطبيعيّة ، ملحوظ لكلّ قانونٍ يوضع ، سواء من قبل البشر أو من قبل خالقهم . وذلك لأنَّ الطبيعة الأوّليّة العميقة للإنسان بمقتضى حبّه لذاته تقتضي الحريّة وحبّ الانطلاق ولا تقتضي التقيّد بالقانون ، [ بل ] تقتضي أن يسعى الإنسان لكماله بالنحو الذي يشاء غير مقيّدٍ بنظامٍ ولا قانونٍ ولا تقليد ولا أخلاق . إلَّا أنَّه بعد أن تقيّد ، وبعد أن تنظّم في المجتمع ، حبّاً لذاته وتوخّياً لمصلحته ، ولأنَّه رأى أنَّ هذا التقيّد يوصل إلى الكمال أسرع من تلك الحريّة السائبة - لأنَّه رأى أنَّ القوانين والنظم ، بصرف وجودها شيءٌ ضروري