والهرب من العقاب ومن يد القضاء ، يقدم نحو الجريمة إقداماً ؛ وذلك لأنَّه يرى أنَّ عصيان القانون لن يُلحق به شرّاً ، وأنَّ القيام بالجريمة في مصلحته وموافق لحبّ ذاته حسب قصر نظره .
وكذلك بالنسبة إلى وضع الثواب على القوانين ، فإنَّها أيضاً مثيرات ومقتضيات ثانويّة لطاعتها ؛ فإنَّ الفرد أيضاً يوازن بذهنه بين المصلحة التي سوف تناله عند طاعة القانون - وهو الثواب - وبين المصالح التي سوف تناله عند عدم طاعته - وهي الحريّة الطبيعيّة - وعند المشي على هداه واختياره ، فهو يرى حتماً أنَّ المصلحة التي ضمّنها له القانون أكبر وأكثر ، وأنَّ ثوابه أجزل وأعظم ، فهو إذن يتوجّه إلى هذا الثواب فيطيع القانون على هذا الأساس .
ومن هنا جعلت الأديان - وبخاصّة الدين الإسلامي - ثواباً وعقاباً على عُصاة أوامرها ومطيعيها ؛ وذلك لكي تجعل حافزاً أقوى ( من الحوافز الكثيرة لاتّباع الشهوات ومغريات العيش التي يتخيّلها الإنسان ، موافقةً لحبّ ذاته ) ؛ لكي يرى الإنسان أنَّ اتّباع تعاليم الدين أكثر موافقة لذاته ، وذات مصالح أعظم بالنسبة إليه .
فيوازن الفرد بين ترك شهواته وبين الحصول على تلك المغانم ، أو بين عمل هذه الشهوات وبين ذلك العقاب الكبير الذي سوف يناله ، وبمقتضى حبّ ذاته يحكم قهراً - لو كان مصدّقاً بالدين - أنَّ الحصول على الثواب وعدم الوقوع في العقاب ، أهمّ بكثيرٍ من عمل شهوات الدنيا وزبارجها ، ومن هنا يندفع إلى ترك الشهوات والقيام بالواجبات والانزجار عن
حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني — صفحة 94
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٩٤