وإنَّما المهمّ أن تعرف أنَّ الإنسان يتعرّض لجملةٍ من المثيرات ومن المنبّهات الثانويّة في حياته ، تقتضي التكيّف بنحوٍ معيّن للإنسان ، فالجوع يستدعي الإشباع ، والعطش يستدعي الإرواء ، والجلوس بين الناس يستدعي الأخلاق ، وغير ذلك من المثيرات والمنبّهات .
وعندئذٍ تكون أمام الإنسان عدّة احتمالات للتصرّف والتكيّف ، يمكنه أن يختار أيّ [ واحد ] منها يريد فيفعله ، إلَّا أنَّ هذه الاحتمالات في جملتها تندرج تحت عنوانين : فإنَّ الإنسان إمّا أن يسلك سلوكاً يكون في صالح ذاته وموافقاً لإشباع غريزته ، وإمّا أن يسلك سلوكاً آخر مخالفاً لذلك . فبالنسبة إلى الجوع مثلًا ، يستطيع باختياره أن يشبعه ويستطيع باختياره أن يبقى جائعاً ، وبالنسبة إلى الخوف مثلًا يستطيع باختياره أن يرفع الخوف - مثلًا - أو أن يهرب منه على الأقلّ ، كما يستطيع باختياره أن يبقى خائفاً .
وهنا يأتي تأثير حبّ الذّات على السلوك الإنساني ؛ تأثيره في ترجيح أحد الطرفين على الطرف الآخر ، فحبّ الذّات هو الذي يفرض على الإنسان أن يخرج من هذه المشكلة ، وأن يتكيّف لهذا المثير الثانوي في حياته بشكلٍ خاصّ يوافق مصلحته ويوافق حبّ ذاته وإشباع رغباته ، فهو إذن يملي عليه وجوب الهرب من الخوف ووجوب الإشباع والإرواء .
ومن هنا سمّي الاختيار اختياراً ؛ فإنَّه مأخوذ من طلب الخير للنفس ، أي : ترجيح أحد الطرفين على الآخر ، ممّا يكون موافقاً لحبّ الذّات .
وكذلك بالنسبة للسلوك العقلي ، فإنَّ الإنسان يستطيع أن يفكّر وأن
حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني — صفحة 86
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٨٦