وبعد أن يكبر الطفل ويتعرّض لكثيرٍ من حوادث الحياة ويعيش تاريخاً طويلًا فيها ، يصبح مجرّباً محنّكاً ، بمعنى : أنَّه يدرك مصلحته ومقتضيات حبّ ذاته ، في أكبر مقدارٍ ممكن في حوادث الحياة ، ويستطيع أن يقدّر ما ينبغي أن تكون مصلحته عليه في النظر العميق . وبعبارة أُخرى : إنَّ الشخص المحنّك هو الذي يدرك بوضوحٍ كيفيّة التكيّف للمقتضيات الحياتيّة - مهما كان نوع تأثيرها - بما يوافق حبّ ذاته أكبر قدر ممكن ، وبذلك يحقّق صغرى متينة لقياس حبّ الذّات ، أمّا الكبرى فهي مشتركة [ . . . ] بين المحنّك والغرّ .
أمّا الشخص الغرّ المتهوّر ، فهو ذلك الشخص الذي ينظر إلى حبّ ذاته وإلى مصلحته بالشكل الآنيّ الوقتيّ الذي يمكن أن يتحوّل ضدّه في يومٍ من الأيّام ، وليس له ذلك البعد البعيد والبصيرة العميقة التي تدلّه على النتائج النهائيّة لأفعاله . فهو يختار مصلحة ومقتضى حبّ ذاته في ذلك الآن الذي يحتاج فيه إلى شيءٍ من الأشياء ، أمّا بعيد النظر فهو الذي يختار أن تكون النتيجة في صالحه ، وإن أوجب تضرّره بشكلٍ من الأشكال في أوّل وهلة من النظر .
بناء المساكن ونشأتها من حبّ الذّات
لماذا يبني الإنسان المساكن ؟ ولماذا يعتني بها ويزخرفها ؟ ولماذا يتمنّى أن يكون منزله أحسن ما يمكن أن يكون بالنسبة إلى تمكّنه وإلى منزلته الاجتماعيّة والاقتصاديّة ؟
أمّا أصل بناء المنازل ، فذلك ممّا التفت إليه الأقدمون من الناس ،