تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
تفضيلًا للمصالح الآنيّة المؤقّتة التي يعيشونها في حياتهم على مصلحة أبويهما اللذين خدماهما وتعبا عليهما في صغرهم ، ومن ثمَّ فهم ينصرفون إلى أعمالهم معرضين عن والديهم . والولد الصغير عادةً ينفر من أوامر أبويه ويجد لها ظلًا ثقيلًا على نفسه ؛ وذلك : لأنَّه يميل بطبعه إلى تلك الحريّة السائبة التي يميل إليها الإنسان حسب القاعدة الأوّليّة ، ولا يدرك ضمناً أنَّ القوانين والقواعد والأخلاق ينبغي أن تراعى وأنَّها توصل الفرد إلى كماله أسرع من تلك الحريّة السائبة . فمن ثمَّ يرى الطفل بأنَّ اتّباع الحريّة السائبة أولى من اتّباع القوانين والأوامر التي يوجّهها له أبوه أو المجتمع أو أيّ شيءٍ آخر . إلَّا أنَّ الأب والمجتمع طبعاً لا يكفّان عن إصدار الأوامر والنواهي إلى هذا الولد ، ولا يكفّان عن تنشئته تنشئةً موافقة لهما ، وذلك لأجل أن لا يخرج الولد شاذّاً على مجتمعه وتقاليد قومه ، فيكون بذلك مخالفاً لحبّ الذّات في المجتمع ، وعند الأهل والأب والأسرة ، فيتعب عليه ، ويأمر وينهى رغماً على أنفه . إلَّا أنَّه شيئاً فشيئاً وبصورة تدريجيّة بطيئة ، يصبح مدركاً لمغزى القوانين وللأخلاق والنظم ، ويصبح عارفاً لمصالحها ، وبأنَّها موافقة لحبّ ذاته ، أكثر من الحريّة السائبة التي كان يتوق إليها ، ومن ثمَّ يستجيب لها استجابة تلقائيّة . بل إنَّه حينئذٍ يتصدّى للبحث والتنقيب عن أفضل الطرق الأخلاقيّة وأحسنها أثراً بين الناس - مثلًا - حسب قريحته وحسب تفكيره .