والشعر والغناء ، فذلك أمر يتبع ذوق أصحاب اللّغة وذوق أذنهم الموسيقيّة ، فكلّ جيلٍ يعبّر عن نوعٍ معيّن من الذوق في تلك اللّغة ويطوّر أدبه وغناءه على أساسه ، على حين قد يجد أهل لغةٍ أُخرى من نفس الجيل أنَّ هذه الأُمور ينبغي أن تتطوّر بشكلٍ آخر وتسير بخطّ آخر بمقتضى أذنهم الموسيقيّة التي يحملونها .
التقليد في الفن
إلَّا أنَّنا نرى في مثل هذه الأيّام عند انتشار الثقافة وتوحّد الرأي العالمي إلى حدّ ما ، أنَّ الصيحات الفكرية والفنّية التي تكون في طرفٍ من أطراف العالم ، قد تسري إلى طرفٍ آخر ، رغم اختلاف اللّغات والبيئات ؛ وذلك لما في داخل الإنسان من حبّ للتقليد ، وحبّ للتطوّر من الكامل إلى الأكمل ، فعند ذلك يتخيّل الشعب الناقد لهذا التطوّر أنَّ في هذه الصيحة تطوّراً ورقيّاً إلى الكمال بشكلٍ من الأشكال ، فلاحتمال ذلك ، أو الاعتقاد به أحياناً ، يتبنّاه ويدعو إليه ، ويطوّر أدبه وفنّه على هذا الأساس .
إلَّا أنَّه سوف يجيء جيل آخر حاملًا ذوقاً آخر وفنّاً آخر وسوف يميل إلى تطوير الفنّ الموجود في بلاده ، وحينئذٍ تنتفي موضة التقليد ، بعد أن يعرف الجيل الآخر بوضوح أنَّ ما لديه من فنٍّ وثقافة وتفكير ، هو الموجب لكماله ورقيّه دون التفكيرات الأُخرى الموجودة في البلاد البعيدة ، والتي تحمل تاريخاً آخر ، وواقعاً آخر ، وعقيدة وأنظمة أُخرى . وبالطبع فإنَّ اتّباع العقيدة السائدة موافق لحبّ الذّات حتماً ، إمّا للاعتقاد بها ، أو لأجل الانتظام مع مسلك المجتمع المؤمن بها ! بخلاف استجلاب عقيدةٍ أُخرى