ولعلّنا تستطيع أن نمثّل لذلك بالنسبة إلى اللّغة العربيّة ، في النثر بالقرآن الكريم ، وفي الشعر ببعض شعر المتنبّي ، وذلك أنَّ القرآن الكريم حينما جاء للدعوة إلى الإسلام وإلى تبليغ أحكامه للناس ، جاء على طبق الطبيعة الأساسيّة في البشر ، وعلى طبق ما يتذّوقونه من أسلوب كلامه ، وما يدخل إلى أذهانهم عادةً من طرقٍ في التفكير والتعبير ، فجاء معبّراً عن تلك الخصوصيّات الثابتة في النفس البشريّة ، فكانت النفس البشريّة كلّما تترقّى وكلّما تتغيّر تبقى ثابتة في حدود ما نزل فيه القرآن من تعبيرٍ وتصوير ومن تشريع وتنظيم .
وكذلك شأن بعض أشعار المتنبّي المعبّرة عن بعض الخلجات والتصوّرات في النفس البشريّة التي يشترك فيها عادةً كثير من الناس ، أو أجيال متطاولة منهم .
ومن ثمَّ بقي القرآن ، وبقيت قطع من أشعار المتنبّي خالدة مع الزمن لا تبليها الأيّام ولا تمحوها الدهور ، وتبقى ملذّة للإنسان ما بقيت فيه غريزة جماليّة ذوّاقة إلى الجمال ، وما دام فيه حبّ الذّات نشيطاً عاملًا .
ولا يخفى أنَّ الفرق بين القرآن وأشعار المتنبّي وإن لم يكن هو في صرف الدوام والخلود ، إلَّا أنَّه متمثّل في العمق والدقّة التي يتّصف بها القرآن الكريم ، فلئن كانت أشعار المتنبّي مستحقّة للخلود من جهةٍ واحدةٍ ، هي إيفاء الغريزة الجماليّة والتعبير عن بعض خصوصيّات النفس البشريّة غير القابلة للتغير ، فإنَّ القرآن مستحقّ لذلك من جهاتٍ عديدة :
أوّلها : هو ما كان شعر المتنبّي مستحقّاً للخلود من أجله وهو التعبير
حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني — صفحة 214
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢١٤