تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩

الفنون وتطوّراتها

ولا يخفى أنَّ الفنون كما كانت في مبدأ وجودها ، إيفاء لغريزة الجمال الأصيلة في الإنسان ، وبالآخرة إيفاء لحبّ الذّات نفسه ، فإذا أراد الإنسان في أوّل الأمر أن يشبع تلك الغرائز الجوعى لديه ، استخدم مثل هذه اللذائذ لإشباعها ، ومن هنا ولدت الفنون . وكذلك فإنَّ دوامها واستمرارها منوطٌ بنفس السبب أيضاً ، فإنَّ كلّ جيلٍ من البشر يحمل نفس الغريزة ونفس العواطف ، ويحمل حبّ الذّات أيضاً ، إذن فالبشر دائماً يميل إلى الاستزادة من هذه الفنون وإلى إشباع غرائزهم عن طريقها . وكذلك فإنَّ تطوّر هذه الفنون وترقّيها من الحسن إلى الأحسن ، وتعب البشر على رقيّها وعلى تحسينها منبثق من حبّ الذّات أيضاً ؛ لأنَّ الغريزة الجماليّة في الإنسان كما تطلب الإشباع تطلب أيضاً حسن الإشباع وكماله ، والتطوّر باللذّة من حسنٍ إلى أحسن ، فإنَّ هذه الغريزة كلّما التذّت أكثر تكون في صالح حبّ الذّات أكثر حتماً . ومن ثمَّ يميل الإنسان إلى التعب على تطوير الفنون وعلى زخرفتها وتجميلها إلى أكبر حدٍّ ممكن ، ومن ثمَّ يتطوّر الشعر ويتطوّر الغناء ، ويتطوّر الرقص مثلًا ، وتتطوّر فنون تجميل أثاث المنزل وتجميل الثياب وتجميل زراعة الحدائق مثلًا ، كلّ ذلك انطلاقاً من حبّ الذّات ؛ باعتبار ما فيها من غريزةٍ جماليّة توّاقة إلى حسن الإشباع . وبهذا نستطيع أن نفسّر تطوّرات الأدب والشعر مثلًا ، وأن نفسّر
حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني — صفحة 209 | السيد محمد الصدر / مؤسسة المنتظر لإحياء تراث آل الصدر