كلّ هذه الحواسّ عاملة تحت إشراف مشترك ، هي حاسّة الجمال عند الإنسان ، فهي التي تحكم وهي التي تقيّم وهي التي تفرح وتحزن بمقتضى حبّها لذاتها ، أو بمقتضى حبّ الذّات لذاتها .
ومن هنا صرنا نرى البشر يميلون مثلًا بالنسبة إلى السماع ؛ إلى سماع الأصوات الرخيمة من الأطيار والأشجار والمياه والأغاني والموسيقى والأشعار المنظومة وغير ذلك من الأصوات الجميلة المنظّمة . وبالنسبة إلى الطعوم نرى البشر يميلون إلى طعوم معيّنة ويميلون إلى جعلها في طعامهم ، وينفرون من طعوم معيّنة ويحاولون إبعادها عن حياتهم . وبالنسبة إلى النظر مثلًا ، نرى البشر يودّ النظر إلى الجمال الطبيعي كالأزهار والبساتين والجبال والنجوم والجنس الآخر ، إلى آخر ما في هذه القائمة من أمثلة ، والتي كان المقصود من ذكرها هو أنَّ كلّ ما هو موافق لغريزة الجمال يكون ارتكابه أو القرب منه موافقاً لحبّ الذّات . وهكذا بالنسبة إلى باقي الحواس .
ولا يخفى ما تتدخّل به البيئات والمسبقات الذهنيّة والثقافات في هذا التقييم والتحديد ، ودخولها في ذلك لا يعني عزل حبّ الذّات عن التأثير ، فإنَّها أيضاً أُمور اختياريّة ، ناشئة عن حبّ الذّات بدورها ، فيكون التقييم ناشئاً عن حبّ الذّات بالواسطة . نعم ، إذا كان المؤثّر تكوينيّاً ( كالمحيط الجغرافي ) فإنَّه حينئذٍ يدخل عنصر تكوينيّ في الموضوع في تغيير التقييم الفنّي ، وبذلك يخرج هذا التغيير عن نطاق نظريّتنا .
فإنَّ الأُوروبي مثلًا يحبّ الخمر ، على حين إنَّ الشرقي المسلم لا يحبّه بل ينفر منه ، والهندي مثلًا يحبّ الإكثار من الفلفل ، على حين إنَّ الشرقي
حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني — صفحة 205
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢٠٥