تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
ومن هنا كانت الجماعة المؤيّدة للعقيدة المعيّنة تنقسم إلى عدّة أقسام ، لا إلى قسمٍ واحد مؤمن بها مخلص لها ، وإنَّما تنقسم إلى سلّم طويل من المؤيّدين والمنافقين والمشكّكين ، كما أن أعداءها يختلفون بالنسبة إليها من حيث اختلافهم في فهمها وفي أسلوب ومقدار مناقضتها لمصالحهم ، واختلاف وجهات نظرهم في نقدها وفي تفنيدها ، فمثلًا : أنَّ اليهوديّة باطلة في نظر النصارى ، بدليل آخر غير بطلانها - مثلًا - في نظر المسلمين ، وهكذا .

الموضوعية والعقيدة

والفرد إذا آمن بالعقيدة ، واعتبر أنَّها هي العقيدة المطابقة للواقع وللحقيقة ، وأنَّها هي تلك العقيدة الوحيدة التي ينبغي له الاعتقاد بها ، عندئذٍ ينزلها منزلة عظمية من نفسه ، ويحبّها حبّاً عظيماً بحبّ ذاته ، ويكون مستعدّاً لبذل المال والجهد والوقت في سبيلها ، والدفاع عنها دفاعاً مستميتاً . بل لعلّ الإخلاص الشديد لها - ربّما - يحلّها محلًا عظيماً من النفس ، بحيث يحاول حبّها التغلّب على حبّ الذّات نفسه ، فيكون الإنسان حينئذٍ مستعدّاً لإفناء ذاته في سبيل عقيدته - كما سبق أن ذكرنا في فصل حبّ الذّات وحبّ الحياة - ويكون مثل هذا الإنسان دائراً في تفكيره وتصوّراته واعتقاداته ، ضمن ما تقتضيه العقيدة من توجيهات وما فيها من أوامر ونواهٍ وتعاليم ، فهو يفهم الكون والحياة على أساسها ، ويفهم المذاهب الأُخرى ، ويفهم العلوم ويفهم المجتمع والاقتصاد والأخلاق والسياسة ، وغير ذلك من نواحي الحياة على ضوء نظريّات هذه العقيدة ، ومن ثمَّ يكون ذهنه مصطبغاً بعدم الموضوعيّة بشكل من الأشكال .
حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني — صفحة 193 | السيد محمد الصدر / مؤسسة المنتظر لإحياء تراث آل الصدر