تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
ومن هنا نرى أنَّ كلّ عقيدةٍ عندما تدعو إلى نفسها وتنشر رأيها بين الناس ، تحشّد أكبر مقدارٍ ممكن من الأدلّة والبراهين والأساليب الخطابيّة والجدليّة لإثبات أنَّها موافقة للحقيقة ، وأنَّها هي نفسها تلك العقيدة الوحيدة التي تكون موافقة للحقيقة ومصيبة لها وينبغي للإنسان أن يعتنقها ، وأنَّ سائر العقائد والمذاهب والآراء كلّها مخالفة للحقيقة من قريب أو بعيد ، وتذكر أيضاً لذلك - أي : لبطلان المذاهب المخالفة لها - قائمة طويلة من الأدلّة ومن الأساليب الخطابيّة الدعائيّة . ومن هنا ينتشر في العالم كثير من الدعايات المتضاربة والآراء المتنافية المتباينة التي ينقض بعضها بعضاً ، ويستدلّ بعضها على فساد بعض ، ويعمل بعضها ضدّ بعض ، وليس على الفرد عندئذٍ إلَّا أن ينظر وأن يفكّر وأن يوازن بين هذه النظريّات ؛ لكي يستخرج ما يهديه إليه نور عقله من مطابقة إحدى هذه العقائد للحقيقة أو قربها منها على الأقلّ . والفرد على كلّ حال ، يكون مضطرّاً لمثل هذا التفكير ، وذلك أنَّه بعد أن علم أنَّه ينبغي له أن يعتقد شيئاً ، ولا ينبغي له أن يبقى بدون عقيدة ، إذن فهو ينبغي له أن يعتقد إحدى هذه العقائد القائمة مثلًا ، أو أن يعتقد شيئاً آخر ، إلَّا إذا لزم الشذوذ في العقيدة ، فإنَّه أيضاً مخالف لحبّ الذّات ، فيكون حينئذٍ حبّ الذّات مانعاً عن التفكير في وضع عقيدة جديدة ، إلَّا عند إحراز النصّ . والاعتقاد بعقيدة معيّنة بدون نظر ولا رويّة ، أمر لا ينبغي أن يصدر منه ؛ لأنَّه يحتمل - على كلّ حال - أن تكون هذه العقيدة بعيدة عن الحقيقة