وأن يدبّر حياته العقليّة برشدٍ وإناةٍ قبل أن يعتنق أيّ عقيدة كانت ، ثمَّ إن هو رأى إحدى العقائد صالحة لاعتناقه وأهل لأن تأخذ عليه تفكيره وحياته وأعماله ، اعتنقها ودعا إليها ، وقال بمقتضيات تشريعاتها ، ويكون كلّ من ذلك التفكير وهذا الاعتناق في مصلحته وموافقاً لحبّ ذاته أكثر من ذلك التشكيك الهدّام .
إلَّا أنَّ هذا المشكّك بعد أن يعيش فترة من الزمن بين أحضان دعوة معيّنة ، فإنَّه حتماً سوف يسمع كلامها وينصت إلى أدلّتها وتتسطّر في ذهنه براهينها ، وعندئذٍ يبدأ شيئاً فشيئاً الاعتقاد بها والميل إليها ، وخاصّة إذا كانت هذه العقيدة ، عقيدة تتبنّاها قوّة من القوى كالحكومة مثلًا ، أو حزب مسيطر مثلًا ، بحيث يمنع صوت أيّ دعوة أُخرى أن تزاحمه وأن تجيب عليه ، ففي مثل ذلك يكون السامعون لهذه الدعوة مقتنعين بها غالباً ، وغير عارفين بنقاط الضعف فيها ؛ لأنَّهم لا يجدون الجواب عليها من أيّ جهةٍ أُخرى ، وليس هناك إلَّا المفكّر الناقد البصير مَن يتصدّى إلى النظر فيها والتفكير في صوابها وخطئها ، ولن يستطيع أن يُعلن عن رأيه أيضاً .
إلَّا أنَّه في البلد الذي تتزاحم الدعوات ويكثر فيه الكلام وتتعدّد وجهات الجدل والخصام ، وتجيب كلّ عقيدة على مدّعيات العقيدة الأُخرى ، وعلى إشكالاتها واعتراضاتها ، عندئذٍ يكثر الشكّاكون ويكثر أولئك الذين يغرقون في التفكير ولا يجدون منفذاً ينفذون منه إلى الحقيقة .
عندئذٍ تتعقّد الحياة وتقلق ويبقى الناس حائرين ، كأنَّ على رؤوسهم الطير . ومن ثمَّ كان في مصلحة المجتمع وموافقاً لحبّ ذاته ، أن تسوده
حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني — صفحة 196
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٩٦