وغير مطابقة لها ، ومن ثمَّ يكون اعتناقها والدفاع عنها مخالفاً للحقيقة ومن ثمَّ مخالفاً لحبّ الذّات . إذن - وتحاشياً من هذا الخطأ - كانت البرهنة على العقائد وتمحيصها والموازنة بينها أمراً موافقاً لحبّ الذّات ، وكان ينبغي للإنسان أن يقوم به على كلّ حال .
فإذا توصّل في النهاية إلى أمرٍ معيّنٍ وعقيدةٍ معيّنةٍ قائمة ، أو جديدة مثلًا ، وزعم لنفسه أنَّها هي العقيدة المطابقة للواقع وللحقيقة ، اعتنقها ومشى على مقتضاها وحاول التبشير بها .
والتبشير ومحاولة العمل لتطبيق الفكرة أمرٌ جوهريّ في العقيدة ؛ إذ إنَّ معنى كونها عقيدة ومبدأ هو أنَّها قد جاءت لمجتمعها أو للمجتمع البشريّ بنظامٍ معيّن تودّ تطبيقه فيه ؛ لكي يسعد ويكمل ويسود فيه العدل والرفاه حسب نظرها ، إذن فلا معنى للعقيدة بدون تطبيق أو محاولة تطبيق على كلّ حال ، أو صلاحيّة تطبيق على الأقلّ ، ومن ثمَّ كان الموافق لحبّ العقيدة لذاتها - إذا صحّ هذا التعبير - والموافق لحبّ الذّات عند معتنقيها أن ينشروها وأن يبشّروا بها ويحاولوا إقناع الناس بها وتطبيقها .
والعقائد بالطبع تأخذ مثل هذا التفكير بنظر الاعتبار ، وتفترض سلفاً أنَّ كلّ إنسانٍ سوف يفكّر باعتناقها قبل اعتناقها ، وسيفكّر بصحّتها وخطئها قبل تبنّيها ، إذن فينبغي لها أن تبدو للبشر - للعقول البشريّة - كأحسن ما تكون ، من حيث أدلّتها الواقعيّة ومن حيث أساليبها الخطابيّة ومن حيث تشريعاتها القانونيّة والاقتصاديّة وغير ذلك .
فكانت العقائد تحاول تقريب أدلّتها للفطرة والوجدان ، وتحاول
حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني — صفحة 191
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٩١