تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
ثابتة . ويعرف كلّ إنسان أنَّ العقائد عادة تكون متدرّجة في الوصول إليها وفي تشخيصها ، وفي السعي نحوها . فإذن ، الفرد إمّا أن يعتقد أن ليس ثمّة عقيدة قد وافقت الحقيقة مائة في المائة ، إذن فهو يبحث عن أقرب تلك العقائد إلى الحقيقة وأحواها لنسبة الصدق فيها . فإذا وجد مثل ذلك ، فيكون اعتناقها بالنسبة إليه أمراً محبّباً إليه بحبّ ذاته . وأمّا أن يجد الفرد أنَّ عقيدة معيّنة من العقائد قد بلغت الحقيقة وأصابت كبدها ، فذلك هو المطلب وغاية المرجوّ والمأمول ، فيعتنقها ويكون اعتناقه لها موافقاً لحبّ ذاته . ولا يمكن - على كلّ حال - أن يبقى الإنسان بدون عقيدة ؛ وذلك أنَّ البشر يحتاجون إلى التنظيم والتقنين ، ولا يمكن أن يبقوا على الحالة الطبيعيّة التي لا تطاق ، فعندئذٍ لابدَّ من التفكير بنظامٍ بشريٍّ معيّنٍ يسود المجتمع ، فما هو ذلك النظام ؟ هنا تأتي العقائد فتجيب بأجوبةٍ مختلفة . وعلى كلّ حال ، كان الاعتقاد بإحدى تلك العقائد خيراً من عدم الاعتقاد بشيء ، وكان الاعتقاد بأقربها إلى الحقيقة أو بالعقيدة التي أصابت الحقيقة نفسها ، أحسن من غيرها حتماً ، وأقرب إلى حبّ الذّات . إلَّا أنَّ لزوم الاعتقاد بعقيدةٍ معيّنةٍ يحتاج إلى درجةٍ معيّنة من الوعي والثقافة ، ولا يتأتى من كلّ أحد . لذا ترى عامّة الجماهير في الغالب لا تعي عقيدة أو نظاماً معيّناً ، وإنَّما هي سائرة وراء تلك القوّة التي تحقّق لها مصالحها ، مهما كان اتّجاه تلك القوّة ، وما ذلك إلَّا انطلاقاً من حيث مصلحتها ، وحبّ ذاتها ، ومن هنا قيل : الناس بدين ملوكهم .