تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
حبّ الذّات ؛ وذلك : أنَّ التقيّد بالأوامر الدينيّة ، وإن كان مخالفاً للحريّة الأوّليّة الموافقة لحبّ الذّات - على ما سبق أن قرّرنا في محلّه - إلَّا أنَّ المؤمن بعد أن كان يعتقد أنَّ الخير الذي سوف يناله بطاعة الأوامر الدينيّة أضعاف ما سوف يناله بتلك الحريّة السائبة ، فهو إذاً يفضّل الأوامر الدينيّة على تلك الحريّة ؛ لكي ينال الأهداف العظمى التي يريدها له الدين ، ومن ثمَّ يطيع أوامره ونواهيه ويقوم بسائر مقتضياته . وإذا استمرّ على ذلك فإنَّه تحصل له مثل هذه الملكة ، ملكة العصمة الاختياريّة ، إذن فهذه الملكة نابعة بالآخرة من حبّ الذّات . ولا يمكن أن تطبّق على هذه العصمة الاختياريّة المسلك الثاني ، وهو أن تكون أفعال الفرد ناشئة عن حبّ الله تعالى محضاً لا عن حبّ الذّات ؛ وذلك : أنَّها إذا كانت ناشئة عن ذلك فإنَّها توجب العصمة لصاحبها ، لا أن تكون العصمة اختياريّة حينئذٍ ؛ باعتبار أنَّ كلّ فعل إذا كان صادراً عن حبّ الله تعالى ، فإنَّه يكون مبرّأً عن الخطأ وعن الزلل ، ويكون قائماً بالواجبات وسائر ما ينبغي له ، ويكون مرضيّاً لديه ، وبذلك يكون الإنسان معصوماً ابتداءً ، وواجب العصمة ، باعتبار أنَّ حبّ الله - الذي أخذناه في الذّات - أمرٌ ذاتيّ لها ، فيكون مقتضاه - وهو الارتداع عمّا لا ينبغي ، والقيام بما ينبغي - ذاتيّاً له أيضاً ، فيكون واجب العصمة ، وهذا مخالفٌ لما فرضناه من العصمة الاختياريّة .