الله تعالى ؛ لأنَّهم لا يحبّون ذواتهم على الفرض ، إلَّا بالمقدار الذي يريد الله تعالى أن يحبّوها فيه ، فإذا أراد لهم الشهادة والانتقال من هذه الدنيا الفانية إلى الأُخرى الباقية ، وإلى دار خلوده ورضوانه ، إذن فهم يهفون إلى ذلك ويريدونه بإرادة الله تعالى له ، وهم يقدمون اختياراً على القتل والشهادة في سبيل ذلك .
فهذان مسلكان في تفسير العصمة عند الأئمّة عليهم السلام ، وكلّ منهما يمكن أن يقوم بتفسير أيّ فعلٍ من أفعالهم وأيّ قولٍ من أقوالهم عليهم السلام . وطبعاً فإنَّ المسلك الأوّل هو المسك الموافق لنظريّتنا ، وهو الموافق لكونهم بشراً ، ولكونهم يحتوون على نفس الغرائز والخصوصيّات التي يحتوي عليها عادةً النوع البشري ، لأنَّهم ليسوا خارجين عنهم وفوق مستواه على كلّ حال ، وإن كانوا الفرد الأكمل الأمثل منه .
إلَّا أنَّ هذين المسلكين إنَّما يصحّان بالنسبة إلى العصمة الواجبة ، ولا يمكن صحّتهما بالنسبة إلى العصمة الاختياريّة ، وهي تلك الملكة التي تنشأ في النفس من كثرة ممارسة الأفعال الحسنة ، ومن بعد النظر توجب لها - أي : النفس - عدم الوقوع في الهفوات والذنوب .
فإنَّ مثل هذه الملكة لابدَّ أن تكون ناشئة في النهاية من حبّ الذّات ؛ وذلك : باعتبار أنَّها تكون عادةً ناشئة من ممارسة الأفعال الحسنة ، وترك القبائح مدّة من الزمن بحيث يسهل على صاحبها الاستمرار على هذه العادة ، وتوطين النفس عليها ، فتحصل له مثل هذه الملكة والتي يمكن أن تسمّى بالعصمة الاختياريّة ، وهذه الأفعال التي نشأت منها هذه الملكة ، وذلك الإعراض عن الذنوب الذي نشأت عنه هذه الملكة ، كلّه ناشئ عن
حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني — صفحة 186
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٨٦