تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
تشريعاتهم وأعمالهم صادرة عن إطاعة أوامر الله ونواهيه ، وتوجيهاته وإلهامه إليهم ، وتكون في عين الوقت صادرة عن حبّهم لذاتهم ؛ باعتبار أنَّه الحافز الرئيسي لهم - على الفرض - باتّباع أوامر الله ونواهيه . ولا يمكن أن يكون حبّ الذّات لديهم - وهم في هذه المرتبة من العظمة والسموّ والاتّصال بالحقائق الأزليّة الواقعيّة الثابتة - مقتضياً بأن يفضّلوا أيّ شيءٍ من الأشياء الدنيويّة على أوامر الله وعلى القرب والاتّصال به . فإنَّهم عليهم السلام يدركون بوضوحٍ تامٍّ : أنَّ ذلك [ القرب ] خير لهم ، وأنَّه موجب لكمالهم ووفق مصلحتهم ، وليس ثمّة شيء آخر على الإطلاق أفضل من ذلك ، ومن ثمَّ [ فَهُم ] يحبّونه بحبّهم لذاتهم . وبهذا نستطيع أن نفسّر معنى العصمة على هذا المسلك ، فإنَّ العصمة الواجبة ترجع إلى أمر تكويني مخلوقٍ في نفوسهم ، إلَّا أنَّه غير مقتضٍ للجبر - على المذهب الصحيح - فإذا فسّرناها على مسلكنا : بأنَّ الشيء الذي اختصّ به الأئمّة عليهم السلام عن باقي البشر هو أنَّهم ملهمون وأنَّهم مهديّون ، وأنَّهم مكشوفة لهم الحقائق الواقعيّة ، ومن البديهيّ الطبيعيّ - وفقاً لحبّ الذّات - أنَّ كلّ مَن ينكشف له ذلك ، فإنَّه يكيّف أفعاله على وفقه ، ولا يمكن بحال أن ينحرف عنها ؛ لأنَّ لحبّ الذّات تأثيراً تكوينيّاً قويّاً على الإرادة ، كما سبق أن شرحناه في بحثٍ سابق . وعليه فكلّ إنسانٍ ملهم مكشوف له الحقائق ، لا محالة لا يختار إلَّا ما يقتضيه هذا العلم الذي لديه ، فيكون واجب العصمة ، وحيث انحصر هذا العلم بالأربعة عشر معصوماً عليهم السلام انحصر وجوب العصمة فيهم أيضاً .