إلَّا أنَّ الغرائز والاندفاعات ، وإن لم تكن موجبة للموت في نفسها ، إلَّا أنَّها تسيطر على ذهن الفرد وتدفعه في هياجٍ شديدٍ إلى إشباعها ، ويرى نفسه في النتيجة - من حيث كان غافلًا - على فراش الموت ، وهذا هو الوجه الأوّل الذي ذكرناه .
إلَّا أنَّنا نريد أن نزيد في المقام فنقول : إنَّ الغرائز والاندفاعات الشعوريّة واللاشعوريّة القويّة ، وإن كانت منعكسة من حبّ الذّات ، ولا تستطيع العمل إلَّا من خلاله عادةً ، إلَّا أنَّها قد تكون من القوّة والاندفاع ، بحيث يتخيّل الفرد أنَّها أصبحت أقوى من ذاته وأنَّها أصبحت أحبّ إليه منها ، فتشكّل في النهايّة حبّاً مستقلًا عن حبّ الذّات في نفسه ، حبّاً أهمّ في نظره منها وأقوى تأثيراً واندفاعاً . فهو يندفع نحو الهدف المعيّن ، فإن استطاع أن يشبع غريزته واندفاعه وأن يحظى على حياته ، كليهما ، فقد أشبع كلا الحبّين ، وأوفاهما حقّهما ، وأمّا إن لم يستطع ذلك ودار الأمر بين الإشباع والحياة ، فهو يفضّل الإشباع على الحياة .
وبذلك تستطيع أن تفسّر كثيراً من أحوال الاندفاع الاختياري نحو الموت ، كالدفاع عن العقيدة أو المال أو العرض والمجتمع ، أو في سبيل تحصيل لقمة العيش الضروريّة ، أو الشعور بعشقٍ شديدٍ أو بإثمٍ متزايد .
وهذه الفكرة وإن كانت تغضّ من التأثير الكلّي لحبّ الذّات في أفعال الإنسان ؛ لأنَّ هذا الموت حينئذٍ يكون مخالفاً لحبّ ذاته ، وموافقاً لغريزةٍ أُخرى ، ومع ذلك فإنَّ الشخص فضّل إطاعة الدافع الآخر على دافع حبّ الذّات . إلَّا أنَّنا أشرنا في سياق هذا الكلام ، أنَّ الدافع الآخر إنَّما نشأ وتفاقم
حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني — صفحة 178
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٧٨