سوف تناله من فوز عقيدته ، أكبر من المصلحة التي سوف تناله من الحياة نفسها .
وهذا واضحٌ جدّاً ، في الأديان التي تعد بالثواب الأُخروي ، فإنَّ الشهيد الدينيّ لا يعتبر نفسه قد دخل في عالم العدم ، وإنّما ينتقل بهذه الطريقة الشريفة في الجهاد الدينيّ من العالم الأدنى إلى العالم الخالد الأفضل ؛ وذلك قوله تعالى : ( أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) « 1 » ، ومن ثمَّ تكون الشهادة موافقة لحبّ ذاته ، على اعتبار أنَّها سبيل إلى الخلود المعهود ، وما هذه الآية إلَّا حثٌّ للمؤمنين على الشهادة ، على اعتبار إقناعهم بعدم زوالهم عند الموت ، بل سموّهم ورقيّهم أكثر فأكثر ؛ لكي يكون الموت في هذا السبيل موافقاً لمصلحتهم ولحبّ ذاتهم . وطبعاً هي ليست لمجرّد مثل هذا الوعظ وإنَّما هي تعرب عن أمرٍ واقعيّ ، هي حياة الشهداء بعد الموت ، وهذا الأمر الواقعيّ هو الذي يتوق إليه الشهيد بعد شهادته ، فإعرابها عن هذا الأمر الواقعيّ هو الذي جعل لها دافعاً للمؤمن إلى بذل نفسه .
أمّا مَن لا يُؤمن بذلك ، فيكون تفضيله للموت على الحياة في سبيل عقيدته لا يخلو من صعوبة .
ولعلّنا نستطيع أن نقول : إنَّ العقيدة بعد أن بلغت في نفسه مبلغاً عظيماً ، وبعد أن تحمّس لها حماساً شديداً ، رأى أنَّ حبّ ذاته يقتضي نصرتها ، ونصرتها فحسب ، وليس وراء هذا الهدف أيّ هدفٍ أهمّ أو أحسن في نظره ، ومن ثمَّ فهو يندفع إلى نصرتها وإلى تحقيق هدفها مهما كان الثمن . ولو
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 169 .