ونجد ظاهرة أيضاً عند المنتحرين ، وذلك أنَّهم ينتحرون بشكلٍ فظيع ، وتتقزّز منه النفوس ، وذلك على قسمين : إمّا أن يسبّب هذا الشكل القضاء السريع على نفوسهم ، بحيث لا يبقون في حالة احتضار إلَّا مدّة يسيرة جدّاً من الزمن ، يدخلون بعدها في عالم الموت ، ومن الواضح أنَّ هذه الطريقة أقرب لحبّ الذّات ؛ لأنَّ الأمر إذا دار بين موت صعب وطويل شاقّ ، وبين موت سريع خاطف ، كان الموت السريع الخاطف أقرب إلى النفس وأحبّ إليها من ذلك الموت الطويل الشاقّ .
وفي صورة أُخرى يحاول المنتحر أن يذيق نفسه ألوان العذاب قبل أن ينتحر ، وذلك قد يكون تنفيساً عمّا ألمّ به من عواطف قاسية وإحساسات متناهية ، من الضغط والكراهيّة ، أو أنَّه ينفّس عن نفسه شعوراً بالإثم أو تأنيباً للضمير ، أو غيظاً مكبوتاً مثلًا ، أو حبّاً مكبوتاً لم يستطع نيله ، وغير ذلك من العواطف المتطرّفة التي لم تجد لنفسها تنفيساً وإشباعاً طبيعيّاً ، فتتّجه إلى مثل هذا التنفيس والإشباع الهدّام .
فيكون هذا التنفيس قبل الموت إلى حدٍّ مّا في مصلحته على ما يتصوّر ، فيكون موافقاً لحبّ ذاته .
ومن جملة أنواع الموت الاختياري : ذلك الموت الذي يكون في سبيل العقيدة ، فإنَّ العقيدة بعد أن تحتلّ جزءاً مهمّاً من الإنسان ، وبعد أن يحبّها بحبّ ذاته ، ويخلص لها إخلاصاً عظيماً ، ويتحمّس لأجلها ، ويصبح مطيعاً لأوامرها ونواهيها ، محبّاً لأهلها ، مبغضاً لأعدائها ، عندئذٍ يكون مستعدّاً للدفاع عنها ، وبذل النفس والنفيس في سبيلها ، معتقداً أنَّ المصلحة التي
حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني — صفحة 174
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٧٤