عزّ وجلّ في قرآنه قائلًا : ( يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ ) « 1 » .
ومن حالات تمنّي الموت والسعي نحوه اختياراً : محاولة الانتحار ؛ وذلك أنَّ الفرد قد يعيش عيشة ضنكاً ومُؤلمة له إلى أكبر حدٍّ ، ويعتبرها عيشة لا تطاق ، بحيث يعتبر أنَّ العدم خير منها ، وأنَّ التخلّص من نور الحياة الموجود بين يديه [ خير ] من الاستمرار فيه ؛ لما يجرّه الاستمرار فيه من الشقاء والبؤس والألم عليه ، ولذلك فهو ينتحر ، وهو يطفي بفمه تلك الجذوة الوقّادة من نور الحياة ، لأجل التخلّص من آلام طويلة وعريضة ألمّت أثناء وجوده فوق هذه الأرض . ويكون هذا الانتحار موافقاً لحبّ ذاته ؛ لأنَّه انتقالٌ من ألم إلى راحة على كلّ حال .
وخاصّة إذا كان هذا الفرد لا يُؤمن بالآخر ، وأنَّه سوف يعاقب على مثل هذا الانتحار ، لذا نجد أنَّ المتديّنين لا يحاولون الانتحار مهما زاد ضنكهم ومهما شقيت بهم حياتهم ؛ لأنَّهم يرون أنَّ هذا الألم زائل على كلّ حال ، وأنَّه مهما طال فسوف يختمه الموت في يومٍ من الأيام ، أمّا العذاب الذي يأتي من قتل النفس - وهو الانتحار - فهو أزليّ سرمديّ لا يمكن أن يزول . فهم إذا انتحروا يجرّون على أنفسهم ألماً طويلًا خالداً ، لقاء التخلّص من ألم قصيرٍ زائل ، وهذا حتماً يكون مخالفاً لحبّ الذّات .
فالانتحار لدى المتدّينين مخالفٌ لحبّ الذّات ، ولذلك لا يقع بينهم ، إلَّا عند المتهاونين منهم بالدين .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 96 .