عدمها ، أمّا الذي يُؤمن بذلك ، فهو إمّا أن يُؤمن أنَّه من الفائزين الخالدين في الدار الآخرة ، أو من الهالكين ، أو أن يشكّ في ذلك ، فإن كان هو الأوّل ، إذن فهو يستهين بالموت في سبيل الوصول إلى الخلود ويستهين بهذه الحياة في سبيل ذلك ، ويجد في الموت وسيلةً وطريقاً وعراً للوصول إلى الخلود ، والخلود - وهو تلك الغاية القصوى للإنسان - أهل لأن يركب من أجله هذه الوسيلة الوعرة ، إذن فهو يحبّ الموت في بعض الحدود ، وإن كان يبغضه بسبب وعورته ، وبهذا نستطيع أن نفسّر قول سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين عليه السلام عندما ضربه اللعين ابن ملجم :
« فزتُ وربّ الكعبة » « 1 » .
وأمّا إن كان متيقّناً الهلاك في الدار الآخرة ، فهو بالطبع - واندفاعاً من حبّ ذاته - يودّ البقاء في هذه الحياة أكبر مقدار ممكن لكي يبطئ عند العذاب ويُؤخّر أكبر مقدارٍ ممكن ، ويرى في الموت تلك الواسطة التي توصله إلى ذلك العذاب ، فهو ينفر منه نفوراً عظيماً ، ويتألّم منه ألماً شديداً ، ويودّ ( لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ ) « 2 » .
وأمّا إذا كان شاكّاً في ذلك ، فهو يكره الموت أيضاً لحبّه لذاته ؛ باعتبار صعوبته في نفسه حتماً ، وباعتبار ما يحتمل أن يراه من ضررٍ ومكروهٍ وراءه . وحبّ الذّات كما يستدعي النفرة من الضرر القطعي ، يستدعي النفرة من
هامش
( 1 ) راجع خصائص الأئمّة ( للشريف الرضي ) : 63 ، إخباره عليه السلام ابنته زينب بمقتله ليلة قتله ، مناقب آل أبي طالب ( لابن شهرآشوب ) 1 : 385 ، فصل في المسابقة باليقين والصبر ، بحار الأنوار 41 : 2 ، الباب التاسع والسبعون ، الحديث 4 .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 96 .