وإلى هنا ننتهي من شرح الحريّات السياسيّة ، أي : تلك الحريّات التي تكون بنفسها موجبة لعملٍ سياسيٍّ بشكلٍ من الأشكال ، وندخل الآن في الحريّات غير السياسيّة ، أي : تلك الحريّات التي لا تكون بنفسها موجبة لعملٍ سياسيٍّ ، وإن كانت قد تكون موجبة للنفع أو التضرّر السياسيّ في بعض الأحيان ، إلَّا أنَّ ذلك خارج عن مفهومها ، وعن نفس ماهيّتها ومدلولها ، فمنها حريّة الفكر وحريّة التنقّل وحريّة الأديان وحريّة التصرّف .
حرية الأديان
ولعلّ الآن أولى الحريّات بالبحث في المقام هي حريّة الأديان ؛ فإنَّه من لغو القول التعرّض لرأي الدين المعيّن في حريّة نفسه ، ورأي العقيدة المعيّنة في حريّة نفسها ، فإنَّ حريّة العقيدة والدّين عند نفس المبدأ ، من أوّليّات البديهيّات وأوضح الواضحات ؛ وذلك : أنَّ العقيدة لم تضع تعاليم وقوانين ونظم إلَّا لكي تسير بمتّبعيها ومعتنقيها إلى الكمال الذي تريده لهم . إذن فهي تريد ضمناً أن يكونوا متحرّرين من اتّباع أوامرها ونواهيها لكي يصلوا بأسرع وقتٍ ممكن إلى الكمال ، فإنَّ عدم حريّتهم لا شكّ يعيقهم في ذلك ، وذلك غير مرضيّ للعقيدة والدين نفسه ، وغير مرضيّ بالنسبة إلى معتنقيه أو المؤمنين به . فإنَّهم أيضاً يشعرون أنَّ الحريّة تسمح لهم باتّباع أوامر العقيدة ونواهيها والقيام بشعائرها ونظمها ، أكثر من صورة التقييد بكثير .
ومن ثمَّ كان أتباع العقيدة المعيّنة أو الدّين المعيّن ، يتذمّرون تذمّراً