السلام
وبذلك نعرف ، أنَّ حبّ السلام أيضاً ناشئ من حبّ الذّات ؛ وذلك لما عرفه البشر وجرّبه مراراً من ويلات الحروب وما تجرّ عليه من خراب ودمار في العمران والنظام والاقتصاد والحياة ، والخراب والدمار حتماً مبغوض لدى النفس بمقتضى حبّها لذاتها ، فيكون سببه - وهو الحرب - أيضاً مبغوضاً لدى النفس ، بالإضافة إلى ما قلناه من أنَّ من مقتضيات حبّ الذّات الأوّليّة هي حبّ الذّات للحصّة الوجوديّة التي تتمتّع بها ، وما سوف يأتي من حبّها للحياة ونفرها من الموت ، فهي إذن تنفر منها [ الحروب ] بسبب فقدانها لحياتها ، و [ لأنَّها ] تذيقها كأس المنون .
وعلى رأس هذه الأسباب [ المفقدة للحياة ] : الحرب ، فإنَّ الأفراد عادة يكونون مهدّدين من قريبٍ أو بعيدٍ بذلك ، فتكون الحرب منفورة للنفس لذلك .
من هنا كان ضدُّ الحرب - وهو السلام وسيادة الطمأنينة والرفاه - مطلوباً لدى البشر ، وخاصّة بما ينتجه السلام من تطوّر ونموّ في الحضارة والاجتماع والاقتصاد والعلم ، وما يضمنه من حياة مرفّهة سعيدة [ و ] من أُمورٍ محبوبة للنفس بحبّ ذاتها .
ومن ثمَّ كانت الدول حرصاً على سعادتها ورفاه شعبها ، تتحاشى الدخول في حربٍ مهما أمكن ، إلَّا إذا كان الدخول فيها يجلب لها من المصلحة أكثر ممّا تخسر ، أو كانت مهاجمة من قبل دولةٍ أُخرى ، وردّ المعتدي أمرٌ في صالح المجتمع ، وحبّه أيضاً من حبّ الذّات ، ولذا كان الدفاع حقّاً ،