وكلّ هذه الأُمور محبوبه لها بحبّ ذاتها ، على شرط أن تحرز أنَّ المكاسب التي سوف تنالها بالحرب فيها ما يعوّض الخسارة التي سوف تسبّبها الحرب لها ، بحيث يكون لها من الأهميّة في نظرها بحيث تكون أهلًا لجهود الحرب المضنية وإزهاق النفوس البريئة .
عندئذٍ تتصدّى للحرب ، مندفعةً من تفضيل المهمّ من مصالحها على الأهمّ ، وهنا لا يخلو إمّا أن تكون الدولة المعتدى عليها من القوّة بحيث تصمد أمام الدولة المحاربة ، ففي مثل هذه الحالة لا يمكن أن تنتهي الحرب بفوز أحد الطرفين ، وإنَّما تنتهي بعقد معاهدة يتنازل فيه كلّ من الطرفين عن بعض مطالبه للآخر ، حسب ما يراه من المصلحة لنفسه .
وأمّا إذا كانت تلك الدولة ضعيفة وليس لها من القوّة ما يقاوم الدولة المعتدية ، فعندئذٍ تندحر أمام القوّة الغاشمة ، وتضطرّ إلى الخضوع لها . ومن ثمَّ تكون الدولة المغلوبة داخلة تحت سيطرة الدولة الغالبة ، وتكون الدولة المنتصرة حاكمة لها ، بمقتضى قانون القوّة ، متحكّمة فيها كما تشاء .
ومن هنا نعرف بوضوح : أنَّ سائر الحروب التي نشأت بين البشر ، سواء منها التي تمخّضت عن الاستعمار ، أو عن أيّ أمرٍ آخر ، إنَّما هي ناشئة في النهاية من حبّ الذّات ، باعتبار اختلاف البشر في المصالح أو العقائد أو الطموح ، تلك الأُمور المحبوبة بحبّ الذّات ، ولعلّ من أوضح الحروب التي قامت على أساسٍ عقائدي هي الحروب الصليبيّة ، حيث أعلن البابا . . . أنَّ سكَّان المشرق من المسلمين كفرة أنجاس يجب تخليص البشريّة منهم ، وكان بذلك يخدم مصلحته وعقيدته ، ويخدم في النهاية حبّ ذاته .
حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني — صفحة 154
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٥٤