إلَّا أنَّه قد تحصل بعض الفئات التي تحبّ سيطرة بلادٍ أُخرى على بلادها ونهبها لأموالها ؛ وذلك لأنَّها تشعر بأنَّ مصلحةً كبرى سوف تنال نفسها ، أهمّ - في نظرها - من مصلحة المجتمع الذي تعيش فيه ، وبذلك تكون هذه الفئات مبغوضة للشعب ساخطاً عليها ، واصماً لها بالعمالة للاستعمار ؛ وذلك لأنَّ الاستعمار ما دام مخالفاً لحبّ الذّات ، إذن فحبّه أيضاً مخالف لحبّ الذّات . ومن هنا كان التحرّر من الاستعمار شعاراً موسّعاً يميل إليه كثير من الفئات والحكومات ، وكانت العمالة إلى الاستعمار وصمة عارٍ يوصم بها كثير من الفئات في سبيل هدمها والإجهاز عليها إذا كانت مخالفة لمَن هو أقوى منها .
ولا يخفى في هذا المقام أنَّ الاستعمار حينما يرى هذا الشعور عامّاً في الشعب ، فإنَّه يخفّف من غلوائه ومن احتكاراته واستغلاله وظلمه ؛ لأنَّه بدون ذلك سوف تسوء سمعته ويكون عرضة للحرب الباردة أو الحارّة ، وبالآخرة سوف تصيبه مفسدة لا توازيها تلك المصالح التي كان يجلبها لبلاده من هذا الاستعمار . وأيضاً لكي يحفظ المصلحة الكبرى لديه ، وهي كون البلاد تحت أمره ونهيه ولو بالواسطة ، وإن كان مستغنياً في عين الوقت عن الأموال والثمرات التي كانت تجبى إليه ؛ وذلك لأنَّ تلك الغاية أهمّ لديه من جلب الأموال ، وتقديم الأهمّ أيضاً موافق لحبّ الذّات ، إذن فالاستعمار لحبّ ذاته يستغني عن جلب الأموال ويكتفي بالسيطرة المعنويّة على البلاد ، كما حدث في الأزمنة المتأخّرة مع شديد الأسف .
ولا يخفى أنَّ حبّ هذه الحريّة أوجب أن تتصدّى جماعات ودول ،
حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني — صفحة 151
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٥١