تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
وعلى اعتراف الحكومة بهذه الحريّة يترتّب إجازتها للصحافة ونشر الكتب ، فإن هي أجازت هذه الحريّة فإنَّها تبيح ذلك إباحة مطلقة ولا تضعه تحت رقابةٍ بأيّ شكلٍ من الأشكال ، إلَّا أنَّها إذا لم تجز هذه الحريّة وقيّدتها بعدم نقد سياستها وعدم التعرّض لما قد اقتنعت به من مفاهيم وما تعلن عنه من آراء ، إذن فهي لا تجيز ذلك الكلام الذي ينقد آراءها والذي ينتقص سياستها ، وتضع رقابة مشدّدة على الصحف والمجلّات والكتب لأجل ذلك . ومن هنا نعرف أنَّ هذه الرقابة أيضاً ناشئة من حبّ الذّات ، من حبّ الحكومة لنفسها ولسياستها . أمّا حريّة الرأي بالنسبة إلى الميادين الأُخرى ، كحريّة نقد التقاليد مثلًا ، أو نقد الأديان مثلًا أو نقد العلوم مثلًا ، فإنَّها تكون معارضة في الغالب بالفئات القويّة التي تتبنّى مثل تلك الآراء إن وجدت . فالمتديّنون بدين معيّن - مثلًا - لا يودّون طبعاً نقد دينهم ، ويكون ذلك خلاف عقيدتهم ، وبالآخرة خلاف حبّ ذاتهم ؛ لأنَّ عقيدتهم وإخلاصهم ناشئان من حبّ الذّات بدورهما . كما أنَّ نقد تقليد معيّن سائد في مجتمع ، لا يمكن أن يكون صادراً في ذلك المجتمع ، فإنَّ ذلك المجتمع عندئذٍ يغضب ويثور ؛ لأنَّ هذا الرأي قد انتقد تقليداً سائداً فيه ، قد اقتنع أفراده به واطمأنّوا إليه ، وصار جزءاً محبوباً من نظامهم ، وأحبّوه بحبّ ذاتهم ، إذن فهم يكرهون نقده ويثورون عليه . ومن هنا كانت حريّة الرأي في كثيرٍ من الميادين ، معارضة بالجماعات
حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني — صفحة 144 | السيد محمد الصدر / مؤسسة المنتظر لإحياء تراث آل الصدر