وهنا طبعاً يكتب النصر لصاحب القوّة والمتسلّط ، وهو الحكومة في الأعمّ الأغلب من الأحوال ، فحينئذٍ تعمل ما تشاء ، إلَّا أنَّها قد تواجه ضغطاً شديداً من قبل برلمانٍ أو من قبل ثوارٍ أو من قبل الصحافة مثلًا ، فقد تغيّر من رأيها ؛ باعتبار ما تتصوّر من مصالحها ومن مقتضيات ملوكها .
ومن الحريّات المربوطة بهذه الحريّة ربطاً وثيقاً : حريّة إبداء الرأي ، والتصدّي لنقد الأُمور الاجتماعيّة أو التقاليد أو القوانين أو النظم أو الجهاز الحاكم مثلًا ، وهي حريّة مطلوبة أيضاً باعتبارها حريّة أوّلًا ، وباعتبار أنَّ المتكلم لابدَّ وأن يكون مقتنعاً بفساد ما ينقده ، إذن فهو مقتنع بوجوب زواله ، وأنَّ زواله في مصلحة ذاته ، أو في مصلحة مجتمعه التي ترجع في النهاية إلى مصلحة ذاته . إذن فهذا النقد المسبّب - ولو من بُعد - لزواله أيضاً في مصلحة ذاته ، إذن فهو يودّ أن يبقى حرّاً في النقد حتّى يزول هذا الأمر الذي ينتقده ، وحيث إنَّ الأُمور في الغالب تكون دائماً عرضة للخطأ ، لذلك يودّ كلّ فردٍ من الشعب أن يبقى دائم الحريّة لإبداء رأيه كلّما عَنَّ ما لا يرضيه في المجتمع . . . .
إلَّا أنَّ هذه الحريّة تواجه مشاكل كثيرة ، فإنَّ حريّة الرأي بمعناه السياسيّ يضادّ غالباً رأي الحكومة ، ويعارض سياستها ، وبذلك تكون الحكومة واقفة أمام مثل هذا الرأي ، إلَّا أنَّه قد توجد حكومات قويّة وراسخة وذات أنظمة ثابتة لا تهتمّ بمثل هذه الزعقات ، فتجيز إجازة مطلقة إبداء الرأي مهما كان شكله ، ولكنّها لا ترتّب على الرأي أثراً ، إلَّا إذا كان قويّاً ، وكان من شخصٍ قويّ ذي منصب رسميّ مهمّ .
حب الذات وتأثيره في السلوك الإنساني — صفحة 143
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٤٣