إلا إننا مع ذلك لانعدام الفهم الرمزي للتضاؤل التدريجي إلى حد يصل إلى المحاق . كالقمر الطبيعي .
وذلك : إن درجات التكامل الإيماني لا متناهية فإذا وصل الفرد إلى حصول البدر في نفسه ، استحق لا محالة الخطوة التي بعدها ، وهي الاقتباس من الشمس مباشرة ، من المعين الحقيقي للعطاء الإلهي .
وبمقدار ما تقدم الفرد في هذه السبيل ، فان أهمية البدر السابق في نفسه تتضاءل تدريجياً ، ويصبح ملتفتاً بكله إلى نور الشمس ، ومعطياً له الأهمية الواقعية القصوى . وبذلك يتضاءل البدر إلى أن يزول ، بمعنى زوال أهميته تماماً ، بإشراق الشمس في نفس الفرد عوضاً عن البدر .
وبذلك يحصل المحاق ، لأن الشمس الحقيقية إذا أشرقت على القلب ، لا يبقى للأنانية أي وجود ، بل تمحى وتمحق لا محالة . قال تعالى : ( فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ) « 1 » . ونستطيع أن نفهم من آية الليل : القمر ، لا الليل نفسه ، كما نستطيع أن نفهم من آية النهار : الشمس ، لا النهار نفسه .
وقال تعالى : ( وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) « 2 » .
ومما له ربط بهذا الصدد من الآيات قوله تعالى : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ ، وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ ) « 3 » .
هامش
( 1 ) سورة الإسراء - آية 12 .
( 2 ) سورة الشورى - آية 24 .
( 3 ) سورة الزمر - آية 68 - 69 .